الاستفتاء الشعبي حول الاصلاح الدستوري في تونس 26 ماي 2002

الاستفتاء الدستوري في تونس، لماذا؟
بقلم المنذر الرزقي باحث في العلوم السياسي


عند عرضه على مصادقة مجلس النواب سنة 1997 أثار مشروع القانون الدستوري الذي تم بموجبه تنقيح جملة من فصول الدستور التونسي جدلا واسعا تركّز على موضوع توسيع الاستفتاء. وقد تعددت التحاليل السياسية لهذا التعديل مفرزة قراءات مختلفة ومتفاوتة الأهمية من حيث الانتشار نذكر منها بالخصوص ثلاث قراءات : قراءة أولى اعتبرت أن توسيع مجال استفتاء يدخل في إطار السعي إلى إضعاف البرلمان، وقراءة الثانية ذهبت إلى أنه يرمي إلى إعطاء ولاية رئاسية استثنائية للرئيس بن علي سنة 2004، وقراءة رأت فيه لبنة جديدة في البناء الديمقراطي التونسي.

وقد انتهى الحوار حول هذا الموضوع بمصادقة مجلس النواب على مشروع القانون الدستوري المذكور في قراءتين وختم هذا القانون ونشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وأصبح نافذا.
وفي الذكرى الرابعة عشرة للتحول، يوم 7 نوفمبر 2001، صنع الرئيس زين العابدين بن علي الحدث السياسي حين أعلن عن اعتزامه"... تقديم مشروع إصلاح دستوري جوهري نحقق به نقلة نوعية لنظامنا السياسي في ضوء ما توفر لبلادنا من مكاسب وإنجازات ونؤسس به لجمهورية الغد...". كما أعلن عن عزمه عرض مشروع الإصلاح الدستوري على الاستفتاء الشعبي.

وقد تجسّم هذا القرار وتمّت بلورة في إطار مشروع قانون واستكمل مجلس النواب كافة مراحل النظر فيه وانتهى إلى الموافقة عليه وتمّت دعوة الناخبين للاستفتاء فيه يوم الأحد 26 ماي 2002.
إن هذا الاستفتاء الأول في تاريخ تونس يتيح لنا فرصة التأمل والتعمق في القراءات المعروضة آنفا والتعمّق فيها بغاية مساءلتها وتحليلها بصورة تجريبية مجردة للتثبت من مدى صحة كل منها.

إن قراءة الاستفتاء على أنه أداة تمكن من إضعاف البرلمان وتجاوزه من خلال الرجوع مباشرة إلى الشعب لا يمكن أن تستقيم إلا بالاستناد إلى جملة من العناصر منها ما يتصل بالواقع السياسي ومنها ما يتصل بالقانون الدستوري.

فعلى صعيد الواقع السياسي تفترض هذه القراءة وجود أو احتمال حدوث خلاف بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وهذا الافتراض لا يعدو أن يكون حالة نظرية صرفة لا تستقيم إذا ما سلّطنا عليها ضوء المشهد السياسي التونسي في الوقت الراهن. فالعلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في تونس ومنذ الاستقلال سواء كان ذلك في فترة البرلمان أحادي اللون أو في فترة التعددية الحزبية التي يعيشها مجلس النواب منذ أفريل 1994، تتميز بالتعاون المثمر والبناء، وبالإحترام المتبادل، وبالعمل الإيجابي الناجع بعيدا عن السياسة السياسوية أو السياسة الاستعراضية. وصفاء هذه العلاقات لا يعني الهدوء المطلق أو السكنية المملة فكثيرا ما احتضن مجلس النواب، سواء في فترة الحزب الواحد أو في فترة التعددية، نقاشات بين النواب وأعضاء الحكومة، ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات عالية وذلك بحسب درجة الاختلاف في وجهات النظر وفي تمثل سبل تحقيق المصلحة، لكن دون أن تخرج هذه النقاشات عن نطاق التحلي بالمسؤولية، وهي غالبا ما تنتهي إلى حلول وفاقية يعكسها حجم التعديلات التي يدخلها مجلس النواب على مشاريع القوانين قبل المصادقة عليها.

ويستند هذا التعامل الإيجابي الذي يميز العلاقات بين السلطتين إلى الاشتراك في التوجهات العام لسياسة الدولة في مختلف المجالات مثلما تتحدد، على المستوى الحزبي، في إطار التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم في تونس، الذي يترأسه رئيس الدولة، وإليه ينتمي كافة أعضاء الحكومة، والذي يحتل حاليا أغلبية المقاعد في مجلس النواب التعددي (حوالي 82%).

وإن النظر بصورة موضوعية للموقع الريادي الذي يحتله التجمع الدستوري الديمقراطي من الخارطة السياسية التونسية، مقابل الوضع الصعب الذي تعيشه أحزاب المعارضة، لا يتيح في المستقبل المنظور توقع حدوث تغييرات من شأنها أن تزيح التجمع عن موقعه الحالي أو حتى أن تخفّض في نسبة الأغلبية التي يتّمتع بها.

وهذا يعني أن رئيس الجمهورية سوف لن يحتاج إلى تجاوز البرلمان واللجوء إلى الشعب ليحل محلهّ في أداء الوظيفة التشريعية من خلال الاستفتاء.

إن غابت مبررات هذه القراءة على الصعيد السياسي فهل هناك ما يدعمها في المستوى القانوني ؟ الإجابة على هذا السؤال تحيلنا حتما إلى بعض النصوص القانونية الهامة وفي مقدمتها نص الدستور في أحكامه المتصلة بالاستفتاء (الفصول 2 و47 و76 و77 و78).

من هذه الأحكام يتبين أن رئيس الجمهورية، ولئن كان الوحيد المؤهّل للمبادرة باستفتاء الشعب، فإن ممارسته لهذه الصلاحية ليست مطلقة بل هي مقيّدة بشروط تختلف حسب طبيعة الاستفتاء.
فالاستفتاء الذي نصّ عليه الفصل الثاني من الدستور محدّد الموضوع (المصادقة على المعاهدات المبرمة في إطار المغرب العربي الكبير والتي قد يترتب عنها تحوير ما للدستور)، وهو مشروط بمصادقة مجلس النواب أي أنه لا يجوز لرئيس الجمهورية عرض مشروع قانون يتعلق بالموضوع على الاستفتاء إلا شريطة أن يحظى مسبقا بموافقة مجلس النواب، وهو كذلك إجباري بالنسبة لرئيس الدولة الذي لا يملك إلا أن يستفتي الشعب في القانون المذكور.

أما الاستفتاء الذي نصّ عليه الفصل 47 من الدستور سواء في جانبه التشريعي أو في جانبه الاستشاري فإن ممارسته تكتسي صبغة اختيارية أي أنها مرتبطة بإرادة رئيس الجمهورية وهو غير مشروط بموافقة البرلمان، لكن مقابل ذلك نجد أن موضوعه محدد (مشاريع القوانين ذات الأهمية الوطنية والمسائل الهامة التي تتصل بالمصلحة العليا للبلاد)، وأن نتيجته ملزمة بالنسبة لرئيس الجمهورية.

والاستفتاء في منظور الفصل 79 من الدستور والذي يندرج ضمن الصنّف الدستوري، فإن مارسته الاختيارية تبقى مشروطة بموافقة مجلس النواب في المقام الأول.

لذا فإن التنقيح الدستوري لسنة 1997 الذي يجعل الاستفتاء الشعبي في المادة الدستورية أداة في يد رئيس الجمهورية لممارسة الديمقراطية المباشرة من جهة ويمكّن السلطة التشريعية من جهة أخرى من صلاحية تعليق هذه الممارسة من خلال الامتناع عن الموافقة على مشروع القانون المقرر عرضه على الاستفتاء، لا يجوز الإدعاء بأنه يرمي إلى تمكين رئيس الجمهورية من إضعاف البرلمان أو تجاوزه، علاوة على ذلك، تنهار بمجرّد الإطلاع على ما يتضمنه الإصلاح الدستوري المقرّر عرضه على الاستفتاء الشعبي من دعم متزايد للسلطة التشريعية عبر :

تمكين مجلس النواب دستوريا من آلية المساءلة والحوار مع الحكومة مع اعتماد مبدأ الدورية والانتظام في ممارستها.

تيسير شروط استعمال لائحة اللوم ضد الحكومة بما من شأنه أن يعطي مجلس النواب وزنا أكبر في علاقته ويمكنّه من وسيلة ضغط لا يستهان بها.

تدعيم السلطة التشريعية بإحداث غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب مما سيمكن من توسيع تمثيلية البرلمان.

لقد كانت فكرة الربط بين توسيع مجال الاستفتاء وإعطاء الرئيس بن علي ولاية جديدة حاضرة بقوة في الأذهان لدى مناقشة التنقيح الدستوري لسنة 1997 في مستوى مجلس النواب. فقد تضمن عدد من مداخلات النواب في الجلسة العامة إشارات إلى هذا الموضوع اختلفت في كيفية الطرح وفي درجة التصريح.
وتستند هذه الفكرة إلى أن الدستور في صيغته الحالية لا يجيز للرئيس بن علي الترشح لمدة رئاسية جديدة سنة 2004 وذلك بحكم تحديد عدد المرات المتتالية التي يجدّد فيها رئيس الجمهورية ترشحه للرئاسة عند مرتين اثنتين (الفصل 39).

فهل يكفي وجود هذا المانع الثابت والجلي بالنسبة للجميع للقول بأن التنقيح الدستوري الخاص بتوسيع مجال الاستفتاء ليس سوى الإعداد لتوفير أداة دستورية تمكن الرئيس بن علي من مدة رئاسية جديدة سنة 2004 ؟
هل أن هذا المانع الدستوري يطرح إشكالا ما ؟
وهل يمكن معالجة هذا لإشكال معالجة دستورية مشروعة ؟
وهل تتطلب معالجة هذا الإشكال حتما اللجوء للاستفتاء ؟
إشكال تجديد عدد الترشحات
إن فحص شرط منع الترشح أكثر من مرتين متتاليتين يتطلب استجلاء الظروف التي أدت إلى اعتماده في الدستور التونسي سنة 1988. لقد جاء هذا المنع ليعبر عن مشغل أساسي من مشاغل الشعب بشكل عام والطبقة السياسية بشكل خاص نتيجة الوضعية التي آلت إليها البلاد قبل التغيير لعدة اعتبارات من بينها الشوائب التي علقت بالدستور وفي مقدمتها بالخصوص اعتماد مبدأ الرئاسة مدى الحياة للزعيم المرحوم الحبيب بورقيبة والخلافة الآلية مما سلب الشعب حقه في اختيار رئيسه بصفة دورية.
مباشرة إثر تغيير السابع من نوفمبر 1987 كان من أولويات المشرّع التونسي تطهير الدستور مما علق به من شوائب وتطويره ليستجيب للواقع الجديد في تونس. فبادر في أول تعديل دستوري إلى حذف الرئاسة مدى الحياة وحدد عدد الترشحات للرئاسة عند ثلاث ترشحات متتالية، وضبط السن القصوى للمترشح عند 70 سنة، وهذا يعكس الحرص على القطع الصارم والجذري مع ممارسة حادت بالنظام الجهوري عن مساره الطبيعي.
لكن اليوم، بعد مضي 14 سنة على هذا التصحيح، وبعد ما شهدته البلاد تدريجيا من خطوات هامة على درب تثبيت البناء الديمقراطي بما يتناسب وتطلعات الشعب التونسي، ألا يجوز التفكير في مراجعة تلك التحديدات التي أفرزتها ردة فعل على ممارسات سابقة ما دامت المراجعة تنصهر تمام الانصهار في النظام الجمهوري؟
وما الذي يمنع من فتح عدد الترشحات وحذف شرط السن القصوى ما دام الشعب هو الذي سيختار المرشح الذي يراه الأقرب لتحقيق تطلعاته ؟
وبأي حق يسلب ناخبو الغد حقهم في اختيار مرشح أثبت اليوم جدارته وتميزه في قيادة شعبه نحو الأفضل؟
فما الأقرب للنظام الجمهوري : تمكين الشعب من حرية اختيار رئيسه أم وضع الحواجز أمامه للحيلولة دونه وذلك؟
هذه التساؤلات تعكس في الواقع الإشكال المطروح اليوم و تأكد من خلال ما عبر عنه الشعب الشعب التونسي بتلك الموجة العارمة من النداءات الموجّهة إلى الرئيس بن علي مناشدة إياه الترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2004.
معالجة دستورية
في دولة أظهرت قيادتها على امتداد سنوات التغيير حرصها الشديد على تأمين علوية القوانين وفي مقدمتها الدستور وعلى ضمان حرمة المؤسسات، كان لا بد من اعتماد مقاربة دستورية لمعالجة الإشكال المتمثل في التخالف بين إرادة شعبية عميقة فرعية أملتها ظروف خاصة. وقد تتطلب هذه المقاربة مراجعة الدستور حتى يواكب طموحات الشعب فيما يتماشى وطبيعة أسس النظام الجمهوري.
لذلك كان ردّ الرئيس بن علي في الذكرى 14 للتحول على نداء الشعب مرآة تعكس مدى تحلي الرجل بروح الإجلال للشرعية الدستورية وبنظرة الإعلاء للقوانين والمؤسسات وباحترام إرادة الشعب وطموحاته وتكريسها عبر القنوات الدستورية والقانونية.
لقد بيّن الرئيس بن علي موقفه وهو الشكر على الثقة دون التصريح بنية الاستجابة حيث قال : "... وأثر في نفسي عميق الأثر فيما عبّر عنه التونسيون والتونسيات من مختلف الحساسيات والفئات طوال الفترة الأخيرة من مشاعر الإخلاص والدعوة لكي أواصل الاضطلاع بأمانة البلاد... فلهم مني خالص الشكر ولتونس العزة والمناعة وللجمهورية ومؤسساتها مزيد الرسوخ والتقدم بما سيشملها إن شاء الله من إصلاحات..." مقابل ذلك أعلن عن عزمه الإقدام على تعديل الدستور بصورة شاملة بما يوفر الأرضية المناسبة لحياة سياسية أرقى أثبت الشعب التونسي أحقيته بها، مع التأكيد عن تمسكه بالثوابت المتصلة بقيم الجمهورية بطبيعتها الرئاسية، وسيادة الشعب، وعلوية الدستور، وحرمة المؤسسات، وقيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة، والتعددية وحقوق الإنسان. وقد رسم بذلك معالم جمهورية الغد، وأعلن بالخصوص عن قراره عرض مشروع التعديل الدستوري على الاستفتاء الشعبي.
فالتعديل الذي كان يمكن أن يكون محددا ومبتورا اختار بن علي أن يدرجه في إطار منظومة إصلاح شاملة، والتعديل الذي كان يمكن إدخاله على الدستور عن طريق مصادقة مجلس النواب فحسب اختار بن علي أن يخضعه كذلك إلى المصادقة الشعبية عن طريق الاستفتاء.
يتبين جليا مما تقدم أن قراءة الاستفتاء على أنه أداة الغاية منها إسناد ولاية جديدة لبن علي قراءة تحكم على الكل انطلاقا من عنصر فرعي بعد أن تجرّده من كسائه وتسلبه واقعه وتخرجه عن إطاره وتقدمه في ثوب مستورد مسقط فتتشوه صورته ويبدو للملاحظ نشازا. إنها قراءة يكفي القول أنها لا تصمد أمام التحليل الموضوعي النزيه. فهل يكون الاستفتاء لبنة جديدة على درب البناء الديمقراطي؟

الاستفتاء لبنة جديدة على درب البناء الديمقراطي

لا يمكن تبين هذه القراءة بمعزل عن جملة من المفاهيم الأساسية المتداخلة والمترابطة فيما بينها : ومفهوم سيادة الشعب، ومفهوم الدستور، ومفهوم الاستفتاء. فما هي علاقة الاستفتاء بالديمقراطية وكيف يكون أداة لتكريسها؟ وكيف يضمن الدستور سيادة الشعب بتكريس آلية الاستفتاء ؟

الدستور وضمان سيادة الشعب بتكريس الاستفتاء
يمثل الدستور وثيقة مكتوبة تتصل عموما بكيفية ممارسة الحكم يقع وضعها وصياغتها وفق إجراءات خاصة، وهي تتضمن قواعد القانونية أعلى قيمة من سائر القواعد القانونية الأخرى.
وبقدر ما يشارك المواطنون في وضع الدستور وتنقيحه بقدر ما يكرّس الدستور سيادة الشعب التي تتجلى في أسمى مظاهرها عندما تتجسّم في المادة الدستورية. والاستفتاء الدستوري عندما يكفله الدستور يوفر له المناعة ويكرس علويته تجاه النصوص القانونية الأخرى.
فالدستور حتى وإن اكتسى صبغة جامدة وخضع تنقيحه إلى إجراءات خاصة كما هو الشأن في تونس، ليس نصا مقدسا أبديا بل هو نص من وضع الإنسان ويبقى قابلا للمراجعة الجزئية أو الشاملة حسبما تقتضيه ضرورة مواكبة التحولات وما يمكن أن تفرزه من حاجة لتطوير النظام السياسي.
إلا أن علوية الدستور بالنسبة لبقية النصوص القانونية (قوانين، أوامر، قرارات) تقتضي إحاطة عملية مراجعته بجملة من الضمانات التي تحول دون الوقوع في استسهال التنقيحات الدستورية والإقبال على إجرائها بصورة متسرعة وتحت ضغط أسباب قد تكون ظرفية. ويحتل الاستفتاء موقعا هاما ضمن هذه الضمانات.
من هنا يتأكد أن توسيع مجال الاستفتاء ليشمل المادة الدستورية سنة 1997 واختيار رئيس الجمهورية الاستفتاء كإجراء لتنقيح الدستور سنة 2002 يترجم عن الحرص الشديد للرئيس بن علي على تكريس سيادة الشعب من خلال إسناده سلطة القرار بشأن الدستور نظرا للمنزلة الرفيعة التي يتنزلها في فكره.
وما دام النظام الديمقراطي يقوم بالخصوص على إسناد الشعب السلطة التأسيسية الأصلية فإن اعتماد الاستفتاء الشعبي للمصادقة على التنقيح الدستوري بعد أن اعتاد الشعب التونسي شكل المصادقة عن طريق مجلس النواب، لا يمكن قراءته إلا كدعم جديد للبناء الديمقراطي من خلال إعطاء الشعب مجالا أرحب للمشاركة المباشرة في صياغة القرار السياسي بعد أن كانت مشاركته تمرّ حتما عبر مجلسه النيابي.
إنها خطوة جديدة على الدّرب الذي انتهجه الرئيس بن علي في نحت معالم الديمقراطية التونسية التي أراد لها النموّ التدريجي مع التجذر في واقعها الوطني رافضا النماذج المسقطة التي أثبتت عواقبها الوخيمة في بلدان الاستهلاك. واعتماد آلية الاستفتاء لا يقف تأثيره عند هذا الحد بل يتعدّاه إلى مستوى الممارسة الديمقراطية.

الاستفتاء وتكريس الممارسة الديمقراطية
إن الممارسة الديمقراطية للحكم تنبني على تولي الشعب تسيير شؤون الدولة بنفسه وذلك بأشكال مختلفة وعبر قنوات متنوعة بما توفره من آليات. وهي تجيز بالضرورة الاختلاف الذي يمثل أحد أسس النظام الديمقراطي.

فعلى هذه الأرضية الديمقراطية تتشكّل التعددية السياسية حيث تتعدّد الأحزاب بناء على الاختلاف في الرؤى والتنوّع في البرامج، فتتنافس بصورة مشروعة على نيل ثقة القسط الأعظم من المواطنين. ويتم التعبير عن هذه الثقة عبر عملية انتخابية دورية يدعى فيها الشعب لاختيار ممثليه في البرلمان من بين مرشحي الأحزاب السياسية المتنافسة.

وهذا شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية ويدعى بالديمقراطية النيابية التي تقوم على مشاركة الشعب في الحكم عن طريق نوابه الذين يختارهم لتمثيله في البرلمان. وهذه الممارسة الديمقراطية يمكن إثراؤها وتدعيمها باعتماد تقنيات الديمقراطية المباشرة التي تقوم على اضطلاع الشعب بالحكم دون وساطة. والاستفتاء هو أحد أهم تقنيات الاستشارة الشعبية التي تحقق الديمقراطية المباشرة بتمكين الشعب من أخذ القرار السياسي بنفسه. وهو الإطار الذي يندرج فيه عرض مشروع قانون التعديل الدستوري.
فالاحتكام إلى الشعب للمصادقة على التعديل علاوة على أنه يسند للشعب السلطة التشريعية المباشرة في المادة المعروضة عليه فإنه يعطي للرأي المخالف، الذي قد تكون تبنته أحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان أو غير الممثلة فيه، فرصة جديدة لبيان آرائها ومواقفها من المشروع مباشرة للشعب والسعي من خلال الوسائل المشروعة إلى إقناعه بوجاهة آرائها وحصافة مواقفها لأن الشعب يملك في هذه الحال وبصفة مباشرة القول الفصل في أخذ القرار.

إخضاع المسائل الجوهرية والمصيرية كتلك التي يضبطها الدستور إلى إرادة الشعب المباشرة،
إعطاء الصفة الإلزامية لقرار الشعب الناتج عن الاستفتاء بالنسبة لمختلف السلط.
إتاحة الفرصة لكافة الأحزاب السياسية القانونية، وبقطع النظر عن مستوى تامثيليتها في البرلمان، حتى تعبر عن موقفها من موضوع الاستفتاء وتبين دواعي هذا الموقف وتدعو الشعب إلى تبنيه عبر الاستفتاء.
ظهور جو تنافسي نزيه وثري في المستوى الفكري بين مختلف التشكيلات السياسية من شأنه أن يزيد في إنارة الرأي العام ويشد اهتمامه للشأن العمومي ويحسسه بأهمية دوره في هذا المجال ولضرورة تحمله المسؤولية المناطة بعهدته.

وهذه المظاهر الإيجابية لا يمكن أن تتحقق إذا لم يرافقها إدراك عميق بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق كل الأطراف وفي مقدمتها أفراد الشعب بشكل عام وجمهور الناخبين بشكل خاص وما تحتمه من ضرورة التفاعل الإيجابي مع هذا الحدث الوطني الذي يمر حتما من خلال التبين الواعي لمضمون التنقيح والمشاركة المكثفة في عملية الاقتراع.

وبقطع النظر عن الموقف، يمثل الإقبال المكثف للمواطنين رهانا ينبغي رفعه إسهاما منهم في تكريس البناء الديمقراطي.
فالديمقراطية بقدر ما تحتاج إلى قيادة حكيمة ترسي قواعدها وتضمن سيرها بصورة طبيعية بقدر ما تحتاج لشعب واع يمارسها ويكرّسها على أرض الواقع ويدافع عنها في قادم مراحلها.
من هذا المنظار، يمثل الاستفتاء لبنة جديدة في مسار تكريس البناء الديمقراطي التي تعكس المقاربة الديمقراطية في فكر الرئيس بن علي والتي تقوم على التدرّج في الأسلوب والثبات في الغاية.

المحتوى

مراجع قانونية

االتحاليل

الأخبار


أصداء صحفية

مواقع أخرى عن تونس