
الاستفتاء الشعبي حول الاصلاح الدستوري في تونس 26 ماي 2002

اصلاح الدستور التونسي
في ضوء التاريخ والثقافة السياسية
بقلم أنيس الهمامي
باحث في العلوم الاجتماعية
تشهد
تونس هذه الايام حركية سياسية لافتة تشارك فيها الاحزاب والمنظمات
الوطنية والنخب الفكرية استعدادا للاستفتاء الشعبي يوم 26 ماي الجاري
وتتركز الحركية حول الابعاد السياسية والحضارية التي تضمنها مشروع
الاصلاح الجوهري للدستور حيث ترى مكونات المجتمع المدني ان الاصلاح
الذي يحظى بمساندة شعبية واسعة هو الاول من نوعه لاعتبارين على الاقل
اولهما ان الاصلاح يشمل تعديل حوالي نصف بنود الدستور وثانيهما انه
يكرس في نص الدستور مجموعة من القيم والمبادئ المرجعية منها تعزيز
الحريات الفردية والعامة وضمان حقوق الانسان ودفع التجربة الديمقراطية
لا سيما تعدد الترشحات لرئاسة الجمهورية هذا بالاضافة الى تطوير
النظام الجمهوري وترسيخ قيم التضامن والولاء لتونس.
واذا كان الحوار السياسي الذي تعيشه تونس اليوم في اطار الوفاق الوطني
يتركز على أهمية الاصلاح بشكل عام باعتباره يؤسس لجمهورية الغد عبر
تطوير النظام الجمهوري فان الموضوع الذي استقطب النخب والسياسيين
ورجل الشارع هو قرار الرئيـــس زين العابدين بن علي باستفتاء الشعب
في الاصلاح الدستوري وذلك بعد مصادقة البرلمان حيث من المتوقع ان
تعيش تونس في أواخر شهر ماي اول عملية استفتاء في تاريخها.
ومن المعلوم أن الاستفتاء الشعبي أو الاستشارة الشعبية كوجه من وجوه
الديمقراطية المباشرة بما تحمله دستوريا من إلزامية هي ظاهرة مستجدة
في الديمقراطيات العربية التي لا يمكن لنا بأية حال من الأحوال من
الناحية التاريخية والعلمية في التعامل معها بنفس المعايير التي
يعتمدها المحلل السوسيولوجي أو السياسي مع الديمقراطيات الغربية
الحديثة التي تختلف بدورها من حيث النشأة والمؤسسات ونمط الاشتغال
عن بعضها وعن بقية أنماط الديمقراطيات المحيطة بها القريبة والبعيدة.
وبالنظر إلى التاريخ السياسي لتونس الحديثة يلاحظ أن الدستور كمفهوم
سياسي وكمرجعية للدولة الحديثة طبع بقوة الذاكرة الاجتماعية التونسية
سواء خلال معركة التحرر الوطني أو أثناء بناء دولة الاستقلال ولقد
كانت الحركة الوطنية التونسية المناضلة من أجل الاستقلال تعتبر أن
الدستور هو المؤسسة المرجعية العليا التي تضمن استقلالية الوطن وصيانته
المكاسب وسيادة الشعب ولعله لهذا السبب اقترن اسم أكبر حزب سياسي
في تونس إبان معركة التحرر الوطني وبناء الدولة حيث نشأ الحزب الحر
الستوري منذ العشرينات من القرن الماضي.
وتعزز مفهوم الدستور كمرجعية قانونية وسياسية منذ تحول السابع من
نوفمبر 1987 بقيادة الرئيس بن علي حيث كرست تونس التغيير مفهوم الدستور
كقاسم المشترك بين التونسيين يعلو فوق اختلافات الرؤى والتصورات
. كما مثل الدستور المرجع الرئيسي لتغيير 7 نوفمبر 1987 وهو ما يؤكد
تشبع وتمسك قيادة التغيير بالقيم الدستورية وبأسس الحداثة والديمقرطية
وهي المفاهيم المفاتيح للبيان التاريخي الذي ألقاه الرئيس بن علي
يوم 7 نوفمبر الذي عاشه التونسيون بكل جوارحهم وأعاد الاعتبار لتراثهم
النضالي ونخوتهم الوطنية.
ويتنزل الاصلاح الجوهري للدستور في اطار بعد تاريخي خاص بتونس ذلك
ان الدستور مثّل في مسار العمل السياسي أحد المحاور الكبرى والمحك
الأساسي الذي تحتكم إليه وتدور صلبه تفاعلات الأحزاب والحركات السياسية
والقوى الاجتماعية ذلك أن المعارضات الناشئة بعد الاستقلال كانت
وفية لروح الدستور المعلن سنة 1959 ومتشبعة بالتراث الدستوري للشعب
باستثناء حركات التطرف اليميني أو اليساري التي لم تجد لها مكانا
في صفوف التونسيين والتي وجدت نفسها تسبح ضد التيار نتيجة المقاربة
التنموية الشاملة التي اعتمدتها تونس الحديثة وكذلك بفعل الاصلاحات
السياسية الكبرى التي عززت العمل الديمقراطي وحقوق الانسان والتضامن
الوطني وهي إصلاحات كبرى شملت مختلف ميادين حياة المجتمع.
من هذا المنطلق ووفقا لهذه المعطيات المستمدة من التاريخ التونسي
الحديث يمكن القول أن فكرة الدستور تشكل أحد المكونات الأساسية للثقافة
السياسية للتونسيين التي تتميز في وقتنا الحاضر بحضور بارز للواقعية
والعقلانية في الدولة والمجتمع وفي التفاعل مع الأحداث والمناسبات
السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، خصوصا عند الأزمات حيث
شكل تحول السابع من نوفمبر نموذجا متفردا لانتقال السلطة في العالم
العربي في اطار الشرعية الدستورية ولما حققه من الإصلاحات وأساليب
إدارة الشؤون العامة ومقاومة مجتمعية للتطرف وتحقيق للمصالحة الوطنية،
وهو أيضا نموذج لتفاعل السلطة والشعب مع القضايا العربية والعالمية
العادلة وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني.
ان النظام الجمهوري في تونس هو عصارة التفكير السياسي والحركة الوطنية
وتفاعلاتها على امتداد القرنين الأخيرين وهو رمز الدولة الحديثة
في تونس والمتأمل في الإصلاحات التي أدخلت على الدستور التونسي منذ
التغيير يلاحظ أن هذه التنقيحات هي بمثابة التطوير النوعي للدستور
في اتجاه مزيد عن تكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان مع المحافظة على
الروح الأصيلة لهذه المؤسسة. ذلك ان مشروع الإصلاح بما يتضمنه من
توسيع لحماية الحريات الفردية والحياة الخاصة وتكريس للتعددية بالنسبة
للانتخابات الرئاسية وتطوير نظامها وتدعيم آليات مراقبتها إلى جانب
توسيع مجالات اختصاص المجلس الدستوري وتدعيم استقلاليته وتطوير للعلاقة
بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بما يدعم رقابة مجلس النواب على
الحكومة وضمان تمثيلية أشمل للجهات ومكونات المجتمع عبر أحداث غرفة
ثانية إلى جانب مجلس النواب يؤسس لطور جديد من التغيير.
إن الاصلاح الجوهري للدستور يضع التونسيين اليوم أمام تحول تاريخي
هام لعل أمن أبرز ملامحه :
1 ـ ان البت في المسائل الجوهرية ذات العلاقة بمصير الشعب والدولة
أضحى خيارا وممارسة شعبية ودستورية بما يتضمنه ذلك من تأكيد لسيادة
الشعب ولقدسية الشأن الداخلي وهو ما لم يتوفر في بعض الدساتير الغربية.
2 ـ إن انتقال السلطة والتحولات التي يمكن أن تحدث في أعلى هرمها
والتي هي مسألة ـ إشكالية في المجتمعات الشبيهة هي مسألة يحسمها
الدستور بشكل واضح ودقيق.
3 ـ إن حقوق الإنسان بمعانيها التفصيلية والشاملة هي حقوق يضمنها
الدستور باعتباره السلطة العليا في البلاد وهي ما تسكت عنه عديد
الدساتير التقدمية في العالم.
4 ـ إن الديمقراطية في تونس وفي جمهورية الغد وهو المفهوم الذي ورد
في خطاب الرئيس التونسي يوم أعلن الاستفتاء الشعبي أضحت أمرا بديهيا
واستكملت روافده المؤسساتية دستوريا مما يؤكد النقلة النوعية صلب
النظام الجمهوري في تونس.
5 ـ إن مشروع الإصلاحات الجوهرية للدستور التونسي يؤكد الخصوصية
التاريخية للدولة والمجتمع في تونس والمتمثلة في القدرة على التأقلم
مع الأوضاع العالمية وتحقيق النقلة النوعية والتميز في تحقيق التقدم.
وإذا
كان البعض يحاول الانتقاص من شأن الحدث ومن شأن مشروع الإصلاح الذي
تجمع عليه القوى الاجتماعية والسياسية في البلاد ممثلة في الأحزاب
السياسية والمنظمات الوطنية والجمعيات غير الحكومية والنخبة الوطنية
فإن نظرة ولو عابرة على الديمقراطيات الناشئة في دول العالم اليوم
تؤكد أن المسار الديمقراطي في تونس منذ تولي الرئيس بن علي قيادة
البلاد يعد من أكثر التجارب السياسية تميزا وأعمقها تجذرا في قيم
ومبادئ النظام الجمهوري رغم ما حف بالبلاد من مخاطر التردي السياسي
والاقتصادي قبيل التغيير ومخاطر التطرف التي جاءت كردة فعل عنيفة
تجاه العطالة التي حلت بالمؤسسات الدستورية وانسداد آفاق الحوار
الديمقراطي.
لقد أمكن للرئيس بن علي المحاط بنخبة وطنية لامعة من أبناء الشعب
أن يسطر لبلاده نهجا متفردا للتنمية السياسية عزز المؤسسات الحديثة
للدولة ودفع الحياة الحزبية بما يعنيه ذلك من تطوير كمي ونوعي للأحزاب
السياسية وطرق أداءها وتوسيع لمجال المشاركة في إدارة الشؤون العامة.
ولقد كان لهذا التمشي الهادي والمتعقل الدور الهام في تجنيب المجتمع
التونسي الانتقالات الفجئية والهزات العنيفة.