|

الاستفتاء الشعبي حول الاصلاح الدستوري
26 ماي 2002

المضامين... المبادئ... القيم
والمسار الإصلاحي للرئيس بن علي
بقلم
المنجي بوسنينة (باحث تونسي)
في خطابه بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لتغيير 7 نوفمبر 1987 في تونس،
أعلن الرئيس زين العابدين بن علي عن مبادرته باجراء تعديل على الدستور
الصادر في غرة جوان 1959 وأطلق مؤكدا انه اصلاح جوهري يؤسس لجمهورية
الغد.
ولما تم تقديم المشروع إلى مجلس النواب توضحت مفاصل التعديل الذي شمل
38 فصلا من فصول الدستور وعددها 78 موزعة على عشرة أبواب. كما توضحت
المضامين الأساسية التي تم ادراجها لاول مرة في تاريخ تونس المستقلة.
لكن الرئيس بن علي لم يمس جوهر النظام، حيث حرص على التمسك بالخيار
الجمهوري وبطبيعة النظام الرئاسية، لهذا أعلن أن الاختيار يتعلق بجمهورية
الغد التي تهيئ تونس لمستقبل أفضل دون القطيعة مع التراكمات التشريعية
والاصلاحية والمؤسساتية.
أهم محطات المسار الإصلاحي
وقد كرس هذا الاختيار التواصل مع الفكر الإصلاحي التونسي عموما ومقاربة
الرئيس بن علي في انجاز اصلاحات تدرجية تتلاءم وطبيعة المجتمع التونسي
خصوصا وفي مقدمتها التمسك بعلوية الدستور ، ذلك ان تحوّل السابع من
نوفمبر 1987 تم وفق مقتضيات الدستورالذي أدخل عليه الرئيس بن علي خلال
سنوات التغيير تعديلات عززت المسار الديمقراطي وارتقت بالأحزاب السياسية
وقانون الأحوال الشخصية والمجلس الدستوري وغيرها إلى المرتبة الدستورية،
كما فتحت الباب أمام تعددية الترشح للانتخابات الرئاسية ووسعت من مجال
الاستفتاء وغيرها من التعديلات التي جعلت الدستور التونسي يعزز سيادة
الشعب ويواكب تطوّر المجتمع ويستجيب لتطلعاته.
هذا المنهج الإصلاحي كان واضحا أيضا في المبادرة الجديدة للرئيس بن
علي التي تعتبر أهم تعديل على الدستور التونسي منذ إصداره لأول مرة
سنة 1959. وهي الأهم من ناحية عدد الفصول التي شملها التعديل أو من
حيث أهمية المضامين التي نص عليها الإصلاح الجديد، وكذلك من حيث إجراءات
المصادقة عليها. فلأول مرة ، وطبقا للفصل 77 من الدستور، يعرض تعديل
دستوري على الاستفتاء الشعبي باختيار رئاسي. ذلك ان الفصل المتعلق
بموضوع التعديل يمكّن رئيس الجمهورية من خيارين لتعديل الدستور، إما
عبر قراءتين لمجلس النواب تفصل بينهما مدة لا تقل عن 3 أشهر وبأغلبية
الثلثين، أو بقراءة وحيدة بأغلبية الثلثين أيضا يليها عرض المشروع
على الاستفتاء. وقد صادق مجلس النواب على المشروع لا فقط بأغلبية الثلثين
وإنما بأغلبية تشبه الإجماع حيث لم يعارضه أي نائب، واحتفظ 6 نواب
بأصواتهم، علما بأن مجلس النواب التونسي يضم 33 نائبا ينتمون لخمسة
أحزاب معارضة أي بنسبة 20 بالمائة، وهذا ما يؤكد الإجماع حول هذا المشروع
الإصلاحي العميق، ويؤشر أيضا لنجاح الاستفتاء المنتظر ليوم 26 ماي
2002 بعد أن تقرر ذلك بأمر رئاسي ليكون ذلك التاريخ حدثا مميّزا في
تونس بإعلاء سيادة الشعب ليمارس صلاحياته التأسيسية ويمارس إرادته
باعتبار الشعب هو مصدر السيادة وصاحب القرار في الخيارات الكبرى، وكذلك
باعتبار أن توسيع مجال الاستفتاء الذي يتضمنه الدستور على أنه يتم
اللجوء إليه في القضايا الوطنية الكبرى.
لماذا
الاستفتاء ؟
والواقع أن الرئيس بن علي تميز ببعد النظر في عرض المشروع على الاستفتاء
الشعبي لأن مضامين التعديل هي من العمق والشمولية بحيث تجعل منه إصلاحا
مؤسسا لمرحلة جديدة في تاريخ تونس وشعبها، وأنه من الوجاهة التاريخية
والسياسية والدستورية أن يكون هذا التأسيس مستمدا من إرادة الشعب باعتباره
صاحب السيادة وصاحب السلطة التأسيسية.
فالتعديل يضمّن الدستور التونسي الخيارات الجوهرية للمشروع المجتمعي
للتحوّل، ويرتقي بجملة من القيم والمبادئ السياسية والعامة إلى مرتبة
الدستور، ومنها : حقوق الإنسان، والقيم الإنسانية، والتعددية ودولة
القانون، ودعم السلطتين القضائية والتشريعية.
وتتوزع المضامين الجوهرية على ستة محاور أساسية هي :
ـ تعزيز القيم المجتمعية ومنظومة حقوق الإنسان.
ـ مزيد تجذير الولاء لتونس.
ـ تفعيل علاقة الحكومة بالسلطة التشريعية.
ـ اعتماد نظام الثنائية التشريعية.
ـ تطوير نظام الانتخابات الرئاسية.
ـ توسيع صلاحيات المجلس الدستوري.
حقوق
الإنسان... معطى جوهري في الإصلاح
تعتبر تونس من أول الدول التي شهدت إصدار دستور، وذلك منذ عهد قرطاج،
ثم دستور سنة 1861 الذي جاء متضمنا للتوجهات والأحكام التي سبق أن
نصّ عليها عهد الأمان الصادر قبل ذلك بأربعة عشر سنة وما تضمنته من
حقوق للأفراد والجماعات وللجاليات الأجنبية، فكان بذلك أول نصّ في
العالم العربي الإسلامي ينص على ما يعرف اليوم بحقوق الإنسان. ثم جاء
دستور سنة 1959 الذي كان أول دستور في عهد الجمهورية المستقلة فتضمن
تنصيصا على حقوق الإنسان في مقدمته، لكنها إشارة لا ترتقي إلى الحكم
الملزم، في حين تضمن في بنوده العديد من حالات التنصيص الفردية والعامة
والسياسية منها والمدنية. ولكن ونظرا لما شهدته منظومة حقوق الإنسان
خلال العقود الماضية من تطورات على التونسي و العالمي، ونظرا لأهمية
المقاربة الشمولية التي اعتمدها الرئيس بن علي في مجال حقوق الإنسان
التي جعل منها إحدى ركائز المشروع المجتمعي للتغيير، جاءت التعديلات
الدستورية الجديدة لتعكس هذه المكانة المتميزة لحقوق الإنسان في تونس
الحديثة، ولترتقي بالقيم المجتمعية إلى مرتبة الدستور لتعكس بذلك الخاصيات
الإنسانية العميقة للنظام السياسي ولفلسفة الحكم بأبعادها الإنسانية
والحضارية بتونس في عهد بن علي،فبهذا التعديل الذي يندرج في صلب التوجهات
الإصلاحية الحضارية يصبح الدستور التونسي في صدارة دساتير العالم الضامنة
لحقوق الإنسان مقارنة حتى بالدساتير في البلدان المتقدمة وذات العراقة
الدستورية.
فالتعديل الجديد في الدستور نصّ على حقوق الإنسان في الدستور كما نصّ
على شموليتها وكونيتها وترابطها وتكاملها، فهي حقوق شاملة، ومترابطة
تتكامل حلقاتها، وتؤسس على القيم الإنسانية وعلى الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان والمعاهدات والمواثيق الدولية دون أن ينتقص ذلك من قيمة الخصوصية
التي تميّز المقاربة الوطنية في هذا المجال من حيث مناهج التطبيق وآليات
حمايتها، فهي كما قال الرئيس بن علي "كلّ لا يتجزأ تترابط وتتكامل
فيه الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون الإخلال
بواحد منها أوتفضيل بعضها على بعض".
حماية
الأفراد وصيانة حقوقهم
فضلا عن إقرار هذه المبادئ والتوجهات لحقوق الإنسان فقد أقرت التعديلات
الجديدة للدستور التونسي توسيع مجال حماية الحياة الخاصة للأفراد.
وقد أحاط التعديل الجديد للدستور حماية الفرد بأعلى الضمانات وأحاط
ذلك لأول مرة في الدستور بالضمانات القضائية بما شكل تعزيزا جديدا
للسلطة القضائية في تونس. فقد أقر التعديل الجديد أن كل فرد فقد حريته
يعامل معاملة إنسانية في كنف احترام كرامته حسبما يضبطه القانون، وأدرج
استثناء وحيدا يتم إقراره لأول مرة في القانون الجزائي التونسي يستثني
مبدأ عدم رجعية القوانين العقابية، وهي القوانين التي تسلط العقوبة
السالبة للحرية بعد الفعل المنسوب، واستثنى النصّ الدستوري الجديد
للدستور ليخضع لأول مرة الاحتفاظ والإيقاف التحفظي للرقابة القضائية،
ولينص على أنه لا يتم الإيقاف التحفظي إلا بإذن قضائي، وهذا التعديل
الذي يكتسي أهمية بالغة في مجال حقوق الإنسان وحماية الافراد جاء ليعزز
أيضا السلطة القضائية. فهاتان الآليتان هما حالتان سالبتان للحرية،
وكان التحول قد نظمها لأول مرة بنصوص قانونية وخفض من المدة المسموح
بها، ولكن نظرا لان ما ينظم بقانون يمكن الغاؤه بقانون، فقد ارتقى
الرئيس بن علي تنظميهما إلى النص الدستوري في إطار مبادرته الهامة
المتعلقة بالتعديلات الجوهرية للدستور، في إطار ارتقائه الشمولي بمنظومة
حقوق الإنسان، ومزيد إعلان شأن السلطة القضائية ودورها.
إعلاء
قيم المجتمع دستوريا
ولان كل هذه المبادئ التي تكتسب أهمية محورية في التمشي الإصلاحي بتونس
ترتكز على الإنسان كذات بشرية وباعتباره صاحب المصلحة الوطنية في مجتمع
متطور، فقد أحاطها الرئيس بن علي في مبادرته الإصلاحية التاريخية بثوابت
إضافية ذات أهمية متميزة، وذلك بأن أدرج القيم المجتمعية التي جاء
بها التغيير كأسس جوهرية ينبني عليها المشروع الحضاري في تونس، وارتقى
بها من إطارها الثقافي والسياسي إلى القيم الدستورية الملزمة، فقد
أقر التعديل الدستوري قيم التضامن والتآزر والتسامح خيارات جوهرية
بين الأفراد والفئات والجهات، وجعل الدولة والمجتمع معا ملزمين بها.
وقد ميزت هذه القيم خصوصية الفكر السياسي للرئيس بن علي منذ التحول
والتي تنهل من ينابيع جوهر الدين الإسلامي وتسامح المجتمع التونسي
واعتداله وجاء التعديل الجديد ليجعل منها أساسا للتوجهات التحديثية
والإنسانية لتونس اليوم والمستقبل، وسندا متينا للنصوص التشريعية ولأداء
مؤسسات الدولة وهيئات وهياكل المجتمع مستقبلا.
فبعد أن أثبتت التوجهات الحضارية للرئيس بن علي صوابها على أرض الواقع
وشكلت آلية فعالة للنهوض بالمجتمع وتحقيق تماسكه واستقراره أصبحت اليوم
أساسا دستورا لتحقيق رقيه الحضاري وتقدمه لا فقط في المستوى الاجتماعي
بدعم منجزات تعميم التشغيل والإعتماد على الذات وبلوغ أهداف سياسة
مواجهة الفقر والإقصاء والتهميش، وإنما أيضا على المستوى الحضاري الثقافي
منه والفكري والمصرفي، والتي تشكل جوانب من الرقي الشامل بالإنسان.
لا
ولاء الا للوطن
هذا الرقي يمثل عاملا إضافيا في تجذير قيمة الإنتماء للوطن و الانتساب
إليه، حيث تحقق له الكرامة والحرية والاعتبار الذاتي، لذلك جعل الرئيس
بن علي في التعديل الجديد من تجذير الولاء لتونس إحدى القيم الإضافية
التي لم يكن منصوصا عليها في الدستور، ولكنها متعارفة بحكم الواقع
والقانون فقط، من هذه المنطلقات والمنجزات نص الدستور في التعديل الجديد
على واجب كل مواطن في حماية البلاد والمحافظة على استقلالها وسيادتها
وسلامة تراب الوطن، وهو نصّ لا يحصر الموضوع في مجال الدفاع فقط، ولكنه
يذهب إلى أبعد من ذلك، إلى تنمية شعور الإنتماء وإعلاء قيمة الوطنية
وحماية مقومات السيادة والاستقلال التي قد تتهددها التحولات الاقتصادية
والسياسية والاتصالية الحديثة وغيرها.
دولة
القانون
وفي الدول الحديثة فإن تجسيم مشروع مجتمعي تلتف حوله كل القوى والأفراد
عن إيمان وإنخراط لا يتأتى إلا على أساس إقامة دولة القانون، وهو المصطلح
الذي يميّز الدول التي تتوفر فيها منظومة قانونية مهيكلة تلزم الدولة
ومؤسساتها بالخضوع لها ولتراتيبها حتى يكون القانون هو الضامن لحقوق
الأفراد وحرياتهم الأساسية، وحتى لا تعدّل القوانين أو تصدر الجديد،
منها إلا على أساس احترام القواعد القانونية المسبقة الوضع. وهذا من
المبادئ الأساسية التي تتبنى عليها دولة القانون يضمن منع صدور تعديلات
قانونية تعسفية ويجسّم احترام الحقوق والحريات ويؤكد وجود سلطة قضائية
مستقلة، وتوفر رقابة دستورية ناجعة.
وبالفعل فقد جاء التعديل الدستوري في تونس لينصّ لأول مرّة على دولة
القانون ويكرّسها بصريح اللفظ في نص الدستور ليصبح بذلك انعكاسا لا
فقط للتطوّر والمسار التحديثي للمجتمع التونسي، ولكن ترسيخا لمقومات
المشروع المجتمعي للتغيير كله، وتأكيدا لمبدإ جوهري يؤمن به الرئيس
بن علي ويعمل على تجسيمه أطلقه بوضوح منذ الذكرى الأولى للتحوّل عندما
قال : "القانون فوق الجميع، ولا أحد يعلو على القانون مهما كانت
مكانته في السلطة... والقانون هو الفيصل بين المواطنين ولا حصانة لأحد
أمامه إلا في إطار ما سنّه التشريع".
تعزيز
التعددية
وإضافة إلى تعزيز دور السلطة القضائية وتوفير الضمانات لممارسة الحريات
الشخصية، فإن التعديل الدستوري نص لأول مرة على قيام الجمهورية على
التعددية، دون حصرها في التعددية السياسية، مثبتا بذلك خيارا أساسيا
من خيارات التحوّل التي كرّسها على أرض الواقع في المؤسسات الدستورية
والهيئات المنتخبة ودعم النسيج المجتمعي. وكان التعديل اللافت في هذا
الإطار يمسّ مؤسسة رئاسة الجمهورية. فرئيس الدولة في النظام الرئاسي
هو محور السلطة التنفيذية، وأهم شخصية في الدولة. لذلك فإن التعديل
الدستوري قد عزز من الأهمية المحورية لرئاسة الجمهورية، فإقرار تعددية
الترشح دستوريا من جهة، وتطوير نظام الانتخابات الرئاسية من دورة واحدة
إلى دورتين وهو الخيار الذي يتناسب مع مبدإ التعددية من جهة ثانية،
ثم بتوسيع صلاحيات المجلس الدستوري ليتكفل بمراقبة هذه الانتخابات
وإعلان نتائجها الرسمية من جهة ثانية.
ضمانات
المجلس الدستوري
ولتوفير أقصى قدر من الضمانات للشفافية في الانتخابات الرئاسية تقرر
في الإصلاح الدستوري الجديد أن تتوسع صلاحيات المجلس الدستوري لتشمل
مراقبة الانتخابات الرئاسية و التشريعية و كذلك الاستفتاء. وهو الذي
يبتّ أيضا في صحة الترشح للانتخابات الرئاسية ويعلن عن نتائجها، وينظر
في الطعون التي يمكن أن تقدم إليه في هذا الشأن، ويتابع سير العملية
الانتخابية ويعلن عن نتائجها الرسمية.
وقد جاءت هذه الصلاحيات الجديدة لتوسع الدور المحوري في الرقابة الذي
ينهض به المجلس الدستوري في تونس. وإضافة إلى ذلك، وإلى صلاحيات جديدة
أخرى تتعلق بصلاحية البت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب
ومجلس المستشارين أي الغرفة الثانية المحدثة بمقتضى هذا التعديل وكذلك
بمراقبة عمليات الاستفتاء، فإن المجلس الدستوري في تونس يضطلع بالدور
الأساسي في إجراء الرقابة الدستورية على القوانين، وهو بالتالي يكتسب
أهمية بالغة في مجال حماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان علوية
الدستور ودعم أركان دولة القانون والمؤسسات التي تشكل الرقابة الدستورية
إحدى دعاماتها الأساسية لما تكفله من ضمان تطابق القوانين مع أحكام
الدستور.
تجربة
رقابية متفردة للدستور
ولقد كان المجلس الدستوري أول مؤسسة بادر الرئيس بن علي إلى إحداثها
بمقتضى أمر وذلك بعد 5 أسابيع فقط من التحوّل، ثم عزز مكانتها بأن
بادر إلى تنظيمها بمقتضى قانون سنة 1990، وفي مرحلة ثالثة شهد المجلس
الدستوري تطويرا هاما على مرحلتين، الأولى بمقتضى تعديل دستوري مؤرخ
في 6 نوفمبر 1995 أدرج المجلس ضمن الدستور، والثانية بتعديل دستوري
مؤرخ في 2 نوفمبر 1998 بجعل آرائه ملزمة لكل السلط العمومية.
ومنذ إحداث هذه المؤسسة الدستورية وما شهدته في تطوير متدرج بدأت تجربة
تونسية متميّزة في مجال مراقبة دستورية القوانين. هذه التجربة، وبخلاف
العديد من التجارب الأخرى العريقة في الممارسة الدستورية، تقوم على
أساس المراقبة المسبقة، بمعنى أن مشاريع القوانين تعرض وجوبا على المجلس
الدستوري حتى تتكرّس الحقوق والحريات بالفعل في التشريع والممارسة،
ثم تحال آراء المجس مع نص المشروع إلى مجلس النواب، فإذا أدخل النواب
خلال مناقشتهم والمصادقة على المجلس الدستوري بصفة وجوبية ليدرس تلك
التعديلات ويؤكد إن كانت مستجيبة لنص وروح الدستور أم لا.
صلاحيات
جديدة للمجلس الدستوري
فالمجلس الدستوري يحتل إذن موقعا محوريا بالفعل في النظام التشريعي
والسياسي في تونس الحديثة. وقد جاءت مبادرة الرئيس بن علي لتضيف إليه
صلاحيات ذات أهمية بالغة بالنظر إلى طبيعة النظام الرئاسي. فالدستور
ينظم العلاقات بين السلط الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو
المنظم أيضا للحقوق والحريات العامّة. لذلك فإن الإرتقاء بحقوق الأفراد
وحرياتهم وبمنظومة حقوق الإنسان إلى مرتبة الدستور يوفّر للمجلس الدستوري
السند الدستوري لمراقبة تشريع وإعلاء القوانين في هذا المجال.
ونظرا لأن رئيس الجمهورية هو الشخصية المحورية في كل نظام رئاسي، فإن
انتخاب رئيس الجمهورية يحتل تبعا لذلك أهمية قصوى. لذلك إحاطة الدستور
التونسي بكل الضمانات الممكنة، وأضاف التعديل الدستوري الجديد إليها
إضافات أخرى حتى تكون متناسبة أكثر مع سيادة الشعب ومبادئ التعددية
ودولة القانون التي أرساها هذا التعديل. فتم توسيع صلاحيات المجلس
لتشمل مراقبة الانتخابات الرئاسية ـ وكذا التشريعية ـ وعمليات الاستفتاء.
وبالنسبة للانتخابات الرئاسية التي ستجرى مستقبلا في دورتين تكريسا
للتعددية ولحق الشعب في ممارسة سيادته في الاختيار، سيتولى المجلس
البتّ في صحة الترشح والنظر في الطعون التي يمكن أن تقدم فيها والاعلان
عن نتائجها. وبالنظر إلى أهمية هذه الصلاحيات الجديدة، ولدور المجلس
المستقبلي في الحياة السياسية من خلال صلاحياته الدستورية، حرص الرئيس
بن علي أن يحيط المجلس وأعضاءه بكل الضمانات الضرورية التي تؤمن مصداقية
هذا الدور، وذلك من خلال إقرار إجراءات دستورية تدعم استقلالية أعضاء
المجلس وحيادهم، خاصة من ناحية تركيبة هيئة المجلس ومدة العضوية وتجديدها،
ومنع الجمع بين العضوية في المجلس وحالات التنافي مع تلك العضوية.
وسيتركب المجلس مستقبلا من 9 أعضاء : أربعة منهم بمن فيهم الرئيس يعينهم
رئيس الجمهورية واثنان يعينهم رئيس مجلس النواب، وجميعهم لمدة ثلاث
سنوات قابلة للتجديد مرتين، أما الثلاثة الباقون فهم رؤساء أعلى هيئات
قضائية وبصفاتهم تلك، وهم الرؤساء الأول لمحاكم التعقيب ـ أو النقض
ـ والمحكمة الإدارية ودائرة المحاسبات.
تفعيل
العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية
بالإضافة إلى هذه المبادئ والقيم الجوهرية التي نصّت عليها الإصلاحات
الدستورية الجديدة في تونس، والتي تتعلّق بإقرار القيم المجتمعية وتثبيت
وتوسيع الحريات الشخصية وحماية الأفراد، وإقامة دولة القانون والمؤسسات
فقد جاء الإصلاح الدستوري ليعزز السلطة التشريعية ويطور عمل الحكومة
وعلاقتها بمجلس النواب. كل ذلك ضمن إطار وهدف تطوير النظام الرئاسي
الذي حافظ على طبيعته الرئاسية منذ قرار المجلس القومي التأسيسي سنة
1955 وإعلان الدستور سنة 1959، وذلك لأنه أثبت نجاعته في تحقيق استقرار
العمل الحكومي. وقد عزز التعديل الجديد هذه النجاعة بالتنصيص على إمكانية
تفويض رئيس الجمهورية للوزير الأول ببعض الصلاحيات المتعلقة بتعيين
الموظفين السامين، والتي لا ينص عليها الدستور في صيغته قبل الإصلاح.
لكن نجاعة عمل الحكومة التي هي مكلفة بتنفيذ السياسة العامة للدولة
كما يحدد توجهاتها العامة رئيس الجمهورية، تبرز أكثر من خلال تفعيل
العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب، والتي تقوم على أساس الحوار الذي
هو الركن الأساسي للتعددية والديموقراطية، وهذا الحوار يتم بين الحكومة
ومجلس النواب ، وهو حوار سيجري بثلاث صيغ تدخل جرعة من النظام البرلماني
المسؤول عن مراقبة أداء الحكومة على عكس النظام الرئاسي الذي تكون
فيه الحكومة مسؤولة فقط أمام رئيس الجمهورية.
فخلال الجلسات الدورية حول الأسئلة الشفاهية، والتي تعقد بمناسبة الجلسات
العامة حول مشاريع قوانين، لكن مواضيعها تكون غير مواضيع تلك المشاريع،
سوف يتمكن النواب من إطلاع الحكومة على مشاغل الناخبين من خلال الحوار
بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتقنية الأسئلة الشفاهية تعتبر
لدى المختصين من أهم تقنيات مراقبة البرلمان للحكومة خاصة في الأنظمة
التي تنبثق فيها الحكومة عن حزب الأغلبية في البرلمان.
أما آلية الأسئلة حول قضايا الساعة التي أقرها الاصلاح الجديد للدستور
في تونس، فيعتبرها أخصائيو القانون الدستوري من أهم آليات دعم الحوار
بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهي تتعلق بتمكين النواب من حق
استفسار الحكومة حول أهم التطورات والأحداث التي تسجل على الساحتين
الداخلية والدولية. وتتم هذه الآليات بمناسبة كل الجلسات العامة التي
يخصص جزءا منها لهذه الأسئلة.
وإضافة لهاتين الآليتين أقر الرئيس بن علي في الإصلاح الدستوري آلية
ثالثة، تنص على عقد جلسات للحوار البرلماني حول السياسات القطاعية
وهو مظهر آخر من مظاهر إثراء الحياة السياسية وتعميق الحوار والتعددية
السياسية الممثلة في البرلمان. فالحوار والنقاش بين وزير والنواب حول
قطاع اختصاصه يمكن النواب من التعبير عن مشاغلهم وطموحات الناخبين
وإبداء المقترحات والعمل على تصويب الأداء الحكومي، في حين تتمكن الحكومة
من مزيد التعريف بسياساتها القطاعية وإنارة الرأي العام حول التوجهات
والمشاريع والأهداف التي حددتها.
الثنائية
التشريعية تعبر عن الإرادة الشعبية
هذه التوجهات المتعلقة بتفعيل عمل الحكومة وتفعيل علاقاتها مع مجلس
النواب يعززان توجه الرئيس بن علي وإرادته في تطوير النظام السياسي
ودعم السلطة التشريعية، لكن إرادته لم تتوقف عند ذلك بل حرص على الإرتقاء
بتمثيلية الشعب عبر تجسيم أوسع تمثيل ممكن للجهات ولمكوّنات المجتمع
المدني بما يمثل إثراء للحياة السياسية بالبلاد ودعما للوظيفة التشريعية.
ولتحقيق هذا الهدف أقر الرئيس بن علي أن تعتمد تونس المقاييس المتعارفة
دوليا في البلدان ذات العراقة في الممارسة الديموقراطية وذلك بإقرار
الثنائية التشريعية، فنص الإصلاح الدستوري على إحداث غرفة ثانية ستسمى
غرفة المستشارين. وهذه الثنائية هي ممارسة متعارفة دوليا، إذ يوجد
اليوم 70 نظاما سياسيا يعتمد هذه الثنائية، منها بلدان عربية مثل مصر
والجزائر والمغرب وموريتانيا، في حيث يوجد 12 بلدا يعتزم إقرار نفس
النظام التشريعي. ذلك أنه في سياق ترسيخ المسار التعددي ودعم السلطة
التشريعية، ضمن مسار إصلاحي متكامل، جاءت إرادة الرئيس بن علي بهدف
إعلاء إرادة الشعب التي لا إرادة تعلوها مثل ما أكد ذلك بنفسه.
وقد تعلقت إرادته بأن يعتمد نفس المعايير المتعارفة في النظم الديمقراطية
لإنشاء هذا المجلس، الذي يتكون عدد أعضائه ثلثي أعضاء مجلس النواب،
ثلثا هم منتخبين والثلث الآخر يتم بالتعيين مثلما هو الأمر في بلدان
أخرى كإيطاليا والشيلي وإيرلندا. وبذلك فان عدد أعضاء المجلس سيكون
تقريبا في نفس المعدل المعروف عالميا، والذي يتم اعتماده في أكثر من
50 بلدا، وهو 110 أعضاء، وبنفس المدة أي 6 سنوات تجدد مرة بالنصف كل
ثلاث سنوات.
وبالنسبة للتمثيلية فإن هذا المجلس سيكون انعكاسا للتركيبة الجغرافية
والمهنية وللنخب الوطنية. فالانتخاب سيفرز جهويا عضوا أو عضوين عن
كل ولاية حسب عدد السكان يتم انتخابهم من بين أعضاء الجماعات المحلية
المنتخبين، في حين ينتخب وطنيا ممثلو أرباب العمل والفلاحين والأجراء
بشرط أن لا يقل عدد المرشحين عن ضعف المقاعد المخصصة لكل صنف من هذه
الأصناف. وهؤلاء المنتخبون جميعا، جهويا ووطنيا، سيمثلون ثلثي المجلس،
في حين أن الثلث المتبقي يكون من صلاحيات رئيس الجمهورية تعيينه من
بين الشخصيات والكفاءات الوطنية.
وباستثناء صلاحية تعديل الدستور والمعاهدات فإن مجلس المستشارين سيكون
من صلاحياته التشريعية التدخل في مشاريع القوانين الأساسية والعادية،
وفي الميزانية وغير ذلك من المسائل التي نص عليها مشروع إصلاح الدستور.
السلطة
للشعب
نظرا لهذه المضامين وما تحتويه من مبادئ وقيم مجتمعية وإرساء لسيادة
الشعب، ودعم للسلطتين التشريعية والقضائية، وهي كلها خيارات عميقة
الأبعاد على تطوير النظام السياسي في تونس، والتي تؤسس لما أطلق عليه
الرئيس بن علي "جمهورية الغد" في علاقة تواصل لا قطيعة مع
الموروث السياسي والحضاري لتونس، قرر الرئيس بن علي، وطبقا لما يمنحه
له الدستور من صلاحيات، أن يعرض مشروع الإصلاح الدستوري على الاستفتاء
الشعبي، لان الشعب هو صاحب السلطة التأسيسية وأن مشروع الإصلاح كله
يؤسس فعلا لمرحلة جديدة من التطور السياسي. لذلك فإن الشعب التونسي
سيقول كلمته ويعبّر فعلا عن الالتفاف الكامل حول المسار الإصلاحي الشامل
الذي ينتهجه الرئيس بن علي وحول المشروع المجتمعي التحديثي الذي يتواصل
إنجازه بنجاح منذ التحوّل.
|