|

الاستفتاء الشعبي حول الاصلاح الدستوري في تونس 26 ماي 2002

الاستفتاء الدستوري في
تونس والتأسيس لجمهورية الغد
بقلم محمد عبد الرحمان ولد سيدي محمد
باحث وجامعي موريتاني
صوت الشعب التونسي باجماع على مشروع
اصلاح الدستورالذي بادر به الرئيس زين العابدين بن علي وهو بذلك قد
جدد الثقة كاملة في الرئيس بن علي الذي برهن منذ أن تولى رئاسة الدولة
انه انتهج مقاربة سياسية مكنت من الارتقاء بتونس إلى مصاف الدول المتقدمة
في كافة المجالات.
ولئن كان ما قطعته تونس في عهده من أشواط في المجال الاقتصادي والاجتماعي
كان محل إشادة واعتراف من طرف العديد من الملاحظين والهيئات الاقليمية
والدولية فإن التوجه المدني والسياسي لمسيرة التقدم التونسية في عهد
بن علي قد حظي بالنصيب الأكبر من المتابعة والإشراف والتخطيط الدقيق
والمتوازن ولذا لم تمر سنة من سنين التحول إلا وتقطع تونس خطوة متميزة
على طريق بناء دولة القانون والمؤسسات.
وهكذا بادر الرئيس بن علي منذ الأيام الأولى لتغيير السابع من نوفمبر
إلى تنقية الأجواء السياسية والمدنية للساحة التونسية من خلال خلق
جو من الوئام السياسي الوطني الذي أدى إلى مصالحة تونس مع نفسها ومحيطها
الإقليمي.
فكان التوقيع على الميثاق الوطني من طرف كافة الفرقاء في الحياة السياسية
والمدنية والنقابية في تونس بمثابة الإجراء الذي جسد اللحمة الشعبية
والوطنية التي أمدت سبيل العمل الوطني بالديناميكية اللازمة لسيرورته
وتطوره وقد جاءت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتعددة التي شهدتها
تونس في الدورة الماضية بمثابة التجسيد الفعلي لدولة التعددية والديمقراطية.
وقد كان ذلك أيضا بمثابة التأكيد الفعلي على أن الديمقراطية التونسية
سائرة بخطى ثابتة نحو النضج كما كان ذلك مصداقا لمحتوى بيان السابع
من نوفمبر الذي قطع مع ما كان شائعا من ممارسات. ومن هنا أعيدت السيادة
إلى الشعب عبر تمكنه من حقه في إنتخاب رئيسه وممثليه في السلطة التشريعية.
وبعد أن مكن الرئيس بن علي الشعب التونسي من استرجاع سيادته وممارسته
لها وبعد أن خبر بن علي مدى النضج السياسي والوعي المدني الذي أصبح
يتمتع به الشعب التونسي بادر إلى إجراء إصلاح دستوري سيمكن السلطة
المرجعية (الدستور) من التخلص من الجوانب البالية فيها وذلك بغية تحديث
هذه السلطة وجعلها أكثر تقدمية وتناسبا مع متطلبات الحياة السياسية
والمدنية في القرن الحادي والعشرين.
ولقد تلقف الشعب التونسي القرار الرئاسي بضرورة إجراء إصلاح دستوري
فكان التجاوب تاما مع الرغبة الرئاسية في ضرورة إجراء الإصلاح الدستوري
وقد عبر عن ذلك كافة شرائح المجتمع المدني وكافة أطياف الحياة السياسية
في تونس.
ومن أجل إكساب هذا التجاوب أقصى مراتب المصداقية ولكي تكن كلمة الشعب
التونسي هي الأولى والأخيرة، فقد ارتأى الرئيس بن علي أن يعرض مشروع
الإصلاح الدستوري على الشعب التونسي في استفتاء عام وذلك ليقول الشعب
كلمته الفصل في ذلك. والرئيس في هذا الإجراء إنما يعبر عن احترامه
لإرادة الشعب وحقه في ممارسة سيادته كاملة غير منقوصة وإلا فقد كان
بالإمكان الاقتصار على مصادقة مجلس النواب على مشروع الإصلاح الدستوري.
لكن الرئيس بن علي خير الاستفتاء وذلك لضمان تمكن الإصلاح الدستوري
من أكبر درجات المشروعية والمصداقية باعتبار ذلك تكريسا لإرادة الشعب
واحتراما لحق كل مواطن في التعبير عن رأيه حول مسألة غاية في الأهمية.
إنها مسألة صياغة جديدة للسلطة المرجعية سلطة الدستور العلوية التي
تخضع لها كل السلط بعد ذلك.
ان ما يهدف اليه الرئيس بن علي من إصلاح الدستور هو مزيد تحديث الحياة
السياسية في تونس وذلك لأن احترام علوية الدستور ينبغي أن تكون في
حق دستور قابل للاحترام ولكي يكون الأمر كذلك فتنبغي العودة في ذلك
إلى رأي كافة الشعب وهو ما أصر الرئيس بن علي على إتمامه فكانت مسألة
إصلاح الدستور مسألة أجدر بالاحترام هي الأخرى وهكذا عبر الرئيس بن
علي كل مرة عن احترامه لشعبه وافتخاره بضرورة أن يعبر الشعب التونسي
بكل حرية عن رأيه في مسألة تعد الأكثر أهمية في مصير الحياة السياسية
والاجتماعية في تونس. إنه التأسيس لمجتمع المستقبل ولجمهورية الغد
هذين الإطارين الذين سيمكنان شعب تونس من التمتع بالمزاوجة بين الرفاه
الاقتصادي والاجتماعي والرفاه السياسي من خلال جمهورية ديمقراطية حداثية
جمهورية تقطع مع كافة الممارسات السلبية لماضي الأوحادية السياسية
في سلط الدولة. ان ما سيؤسس له الدستور الجديد في تونس من حقوق وما
سيكرسه في علوية للقانون والفصل بين السلطات سيجعل من تونس نموذجا
متفردا في محيطها.
وسيجعل من الديمقراطية التونسية رافدا يدعم الروافد الاقتصادية والاجتماعية
باعتبارها متلازمة الأداء. ولعل ذلك هو ما تنبه إليه الرئيس التونسي
زين العابدين بن علي منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الأمور في تونس
حيث أصر على أن يتضمن بيان السابع من نوفمبر الأفكار الجوهرية الشاملة
لاحترام الأدوات الضرورية للممارسة الديمقراطية كاحترام سيادة شعب
وإرادته فكانت عملية الاستفتاء الأخيرة بمثابة التكريس الفعلي للفكرة
الجوهرية القبلية للرئيس التونسي والمتلخصة في احترامه لسيادة شعبه
وإرادته.
لقد أعاد بن علي للشعب سيادته لأول مرة في تاريخ تونس الجمهورية من
خلال عرض الإصلاح الدستوري عليه ليقول فيه كلمته الفصل فجاء اختيار
الشعب لنعم بمثابة البيعة الشاملة للرئيس لمواصلة قيادته لتونس ولمواصلة
سياساته التنويرية والتقدمية تلك السياسات التي جلبت لتونس وشعبها
الرخاء وحققت لهما الاحترام والتقدير بين الشعوب والأمم. إذ أصبحت
تونس المثل المشار إليه بالبنان في كافة ميادين الحياة الاقتصادية
والاجتماعية والنموذج الذي يسعى الجميع لتقليده. ولعل أبرز ما حققه
الاستفتاء هو إعادة السيادة إلى الشعب دون نقصان واعتبار ذلك تقليدا
سيدرج عليه كلما تعلق الأمر بالأمور الخطيرة المفصلية في حياة المجتمع
والدولة ومصيرهما.
ثم إن الإصلاح الدستوري الذي وقع عليه الاستفتاء سيعزز دولة القانون
والحريات في البلد وذلك من خلال إعطاء السلطة التشريعية ممثلة في مجلس
النواب والمستشارين الدور الأكبر في الرقابة وسن القوانين كما سيعطي
للسلطة القضائية لأول مرة في تاريخها الحق في ممارسة تامة لصلاحياتها
باعتبارها ركن لا غني عنه في معادلة السلط الثلاث التنفيذية والتشريعية
والقضائية.
كما أن الإصلاح الدستوري سيسحب البساط من تحت أقدام المزايدين في الداخل
والخارج وسيعرف الجميع أن الشعب التونسي بإعطائه باجماعه على الإصلاح
الدستوري إنما أكد مرة أخرى تشبثه بالرئيس بن علي باعتباره المؤتمن
الوحيد على قيادة البلاد والشعب نظرا لما برهن عليه من سداد خيارات
وصواب رؤى وأعمال.
ولذا سيكون أمام المزايدين أمرين لا ثالث لهما الأول هو الدخول كما
قلنا في اللعبة الديمقراطية والإنصهار في النسيج السياسي من خلال معارضة
شرعية وموضوعية وذات مصداقية، معارضة يكون همها النقد الإيجابي وليس
التلفيقي والانتقائي التجريحي وإما أن يبقوا على هامش الحياة يكتنفهم
الإزدراء والتجاوز من طرف الشعب ونخبه السياسية الخيرة تلك النخب التي
أرادت أن تكون مجهوداتها إيجابية ومؤازة لإرادة الإصلاح والتغيير التي
ما فتئ بن علي يتحلى بها طيلة أيام توليه المسؤولية العليا في الدولة
والوطن التونسي.
|