الاستفتاء الشعبي حول الاصلاح الدستوري في تونس 26 ماي 2002

خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة احتفال تونس بذكرى تأسيس الجمهورية

قرطاج، في 25 جويلية 2002

بسم الله الرحمان الرحيم


أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،

بكامل النخوة والاعتزاز نحتفل اليوم بالعيد الخامس والأربعين لإعلان الجمهورية، بكل ما تحمله هذه الذكرى الوطنية من المعاني والعبر، مستلهمين منها ما يدفعنا دوما إلى الحفاظ على مكاسب شعبنا ويحفزنا على دعمها وإثرائها، حبا لتونس، وإخلاصا لها، ووفاء لتضحيات أجيال المصلحين والمقاومين والمناضلين والشهداء والزعماء، الذين مهدوا لنا السبيل ووضعوا أسس نهضتنا الحديثة.

وأهنئ بهذه المناسبة المتميزة كل من نالهم التكريم بوسام الجمهورية، مقدرا من خلالهم كل من يعمل ويجتهد من أجل الحفاظ على هذا المكسب وتثبيت أركانه.

لقد كان إعلان الجمهورية منعطفا تاريخيا حاسما في حياة شعبنا، استرجع به إرادته وسيادته ليأخذ بأسباب الديمقراطية والحداثة.

إن الجمهورية مكسب وطني عزيز ناضلت في سبيله أجيال بررة من أبناء تونس وبناتها، واستكمل به الشعب حريته وكرامته في كنف الرشد والمسؤولية.
وإذ نجدد اعتزازنا بتضحيات شعبنا من أجل تأسيس الجمهورية، فإننا نؤكد إكبارنا لما قام به جيل التحرير وبناء الدولة الحديثة غداة الاستقلال من جليل الأعمال، وما بذله من عظيم الجهود في تكريس إرادة شعبنا وإثراء رصيدنا الفكري والإصلاحي والنضالي الزاخر بالمآثر والأمجاد ؛ ونخص بالذكر الدور المتميز الذي قام به الرائد المؤسس الزعيم الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية.

ويجب أن لا يقل اعتزازنا بالمكاسب التي سجلتها بلادنا منذ إعلان الجمهورية إلى اليوم، عن واجبنا في صونها وتعزيزها باستمرار. إنها مسؤولية كل جيل إزاء الجيل الذي يليه.

إن مشروعنا الإصلاحي هو مشروع للتغيير والبناء، عاهدنا عليه الشعب منذ السابع من نوفمبر، ونواصل إنجازه بإرادة راسخة وعزم لا يفل.

وقد أولينا عنايتنا إلى كل ما من شأنه أن يعزز مقومات الكرامة للمواطن التونسي، ويحفظ حقوقه، ويستجيب لطموحه وتطلعاته ؛ فركزنا جهودنا على تنمية مواردنا البشرية، والتأسيس لمجتمع الاعتدال والتضامن والتسامح، والأخذ بأسباب العلم والمعرفة، والتحكم في أحدث التكنولجيات.

واعتبرنا الإحاطة بالأسرة ولاسيما المرأة والطفل، من أولويات إصلاحنا الاجتماعي؛ فارتقينا بمبدإ المساواة بين المرأة والرجل إلى مرتبة الدستور، وجسمناه في القوانين المنظمة للحياة العامة، سواء تعلق الأمر بحق الانتخاب والترشح للهيئات الدستورية، أو بالمشاركة في مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حتى أصبحت المرأة عضوا أساسيا في منظومة التنمية الوطنية الشاملة، وفي استقرار العائلة، وتوازن الفرد والمجتمع.

كما أصدرنا مجلة حماية الطفل، تعزيزا لحقوقه، وتأمينا لسلامة تنشئته الاجتماعية والصحية والتربوية.

وراهنا على الشباب، ونظمنا الاستشارات الموسعة معه قصد الاستماع إلى مشاغله وطموحاته، وتشريكه في اختيارات بلادنا الكبرى، واستشراف مستقبلها ودعم مسيرتها. ووفرنا له المؤسسات والمرافق والتجهيزات التي تستوعب اهتماماته الفكرية والترفيهية والتثقيفية والبدنية، وتؤهله لإبراز مواهبه وبلوغ أرفع درجات التفوق والتألق.

وأعطينا دفعا كبيرا للبرامج الموجهة إلى مواطنينا بالخارج ولاسيما منهم الجيل الثاني والثالث، لتوثيق صلاتهم بوطنهم، وتكثيف الإحاطة بهم، والدفاع عن حقوقهم.

وقد كان رد الاعتبار للنظام الجمهوري، وتعزيز مقوماته، واحترام سيادة الشعب وعدم مصادرة إرادته، من أهم ما ركزنا عليه إصلاحنا السياسي، نصا وممارسة ؛ وألغينا خاصة ما ينافي مبادئ الجمهورية مثل الرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية. كما اتخذنا عديد المبادرات والإجراءات لإرساء دعائم دولة القانون والمؤسسات، وتثبيت قيم الديمقراطية والتعددية، وضمان حقوق الإنسان بأبعادها المختلفة.

وقد سلكنا هذا المسار لإيماننا القوي بجدارة شعبنا بحياة سياسية متطورة، تراعي نسق تقدم المجتمع وتتفاعل مع طموحاته في كنف التروي، تلافيا للمزالق والانتكاسات.

وما الإصلاح الجوهري للدستور الذي صادق عليه الشعب مؤخرا في أول استفتاء عام في تاريخ بلادنا، إلا مرحلة متقدمة من هذا المسار ومبادرة أخرى أردنا بها تمكين الأجيال القادمة من نظام سياسي متطور يصون الجمهورية ويدعم قيمها ومؤسساتها ويكرس الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان .

إنها مرحلة جديدة جاءت تؤكد بعمق التحولات الكبيرة التي شهدتها تونس في السنوات الأخيرة وما تميز به شعبنا من نضج سياسي وما حققه من مؤشرات مشجعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية انعكست ثارها الإيجابية على مرافق الحياة كافة .

ونحن نعتبر أن من مكاسب تنظيم الاستفتاء، ممارسة شعبنا الفعلية لسيادته ولسلطته التأسيسية ولإرادته الحرة التي تبقى هي الفيصل في كل الخيارات التاريخية. وهو ما سنحرص على مزيد تكريسه في المواعيد السياسية القادمة ؛ فالقادم أكبر وما سننجزه أكثر، لأن ثقتنا ببلادنا وشعبنا قوية، وعزمنا على المضي قدما في الإصلاح والبناء عزم متجدد على الدوام.
وسيظل الاستفتاء محطة بارزة في تاريخ تونس التقت فيها إرادة الشعب مع مبادرتنا، فأقرّ ما عرضناه عليه من تنقيح للدستور، وأخذ باختيارنا لجمهورية الغد وبرؤيتنا لمستقبل بلادنا.

أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،

إن تأسيس جمهورية الغد نابع من إيماننا بضرورة تطوير النظام الجمهوري، وتحديث مؤسساته، وإثرائها وتعزيزها. لذلك حرصنا على أن تعكس جمهورية الغد صورة ما بلغته بلادنا من نضج سياسي يستجيب لطموحات الأجيال من التونسيين والتونسيات، ويفتح أمامهم الآفاق رحبة للمشاركة في تنمية بلادهم وتصريف شؤونها والسمو بها إلى أرقى مراتب التقدم والسؤدد. وهذا يبرز بوضوح في مختلف محاور الإصلاح التي شملت حقوق الإنسان وتفعيل ضماناتها، وتطوير العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ودعم دور المجلس الدستوري وحياد أعضائه، وتعديل نظام الانتخابات الرئاسية، وإحداث مجلس المستشارين توسيعا لدائرة التمثيل الشعبي.
إن من رهانات جمهورية الغد تفجير الطاقات الكامنة في شعبنا، واستنهاض الهمم والعزائم، وتعميق الإحساس الوطني بالحقوق والواجبات، وإدراك المسؤولية من قبل الجميع إزاء الجميع.

إن جمهورية الغد إثراء للحاضر وبناء للمستقبل في ظل اختيارات أثبت الواقع صوابها ونجاعتها ؛ فهي تكريس لفكر إصلاحي عريق عرف كيف يربط مآثر الماضي بمكاسب الحاضر، وكيف ينمو ويتجدد مع كل المراحل التاريخية التي مرت بها بلادنا.

والآن وقد عبر الشعب عن اختياره الحر، وراهن على المستقبل، فإن المدة القادمة ستشهد وضع كل ما جاء في الإصلاح الدستوري موضع التنفيذ.
إن من أسس النظام الجمهوري إقرار سلطة الشعب في اختيار ممثليه في المؤسسات السياسية، والرجوع إلى الشعب في انتخاب رئيس الجمهورية.

وقد أعلنا في الذكرى الرابعة عشرة للتحول أننا سنعمل على إيجاد الصيغ الكفيلة بتكريس التعددية بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية القادمة. كما أعلنا أمام مجلس النواب عن تقديم مشروع قانون دستوري في الغرض.

وعلى الرغم من أن أحزاب المعارضة يتوفر لديها مجتمعة في الوقت الحاضر العدد المطلوب من النواب لتقديم مرشح عنها لرئاسة الجمهورية، فإننا نعلن اليوم، دعما لتعددية الترشحات، عن مبادرتنا بعرض مشروع قانون دستوري يسمح بتوسيع الترشح لرئاسة الجمهورية بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية القادمة. فلن يكون الترشح مقتصرا على المسؤول الأول في الحزب كما كان الأمر سنة 1999، وإنما سيكون بإمكان كل حزب سياسي من الأحزاب الخمسة الممثلة في مجلس النواب التي لا تقدر بصورة منفردة على توفير شرط التزكية، أن يرشح أحد أعضاء هيئته التنفيذية العليا للانتخابات الرئاسية لسنة 2004.

ويشترط أن يكون المعني، يوم تقديم مطلب ترشحه، مباشرا لتلك المسؤولية منذ مدة لا تقل عن خمس سنوات متتالية، وأن يكون للحزب بمجلس النواب نائب فأكثر ينتمون إليه. ويؤخذ في ذلك الاعتبار، انتماء النائب للحزب عند تقديم ترشحه لعضوية مجلس النواب.

وإننا ندعو الأحزاب السياسية إلى الاستعداد من الآن لهذا الموعد الهام، للإسهام في تعزيز المسار الديمقراطي التعددي، حتى نحقق ما نطمح إليه من تطوير للحياة السياسية في ظل نظام جمهوري متين البناء.
لقد رسخنا التعددية السياسية بتأكيد مكانة الأحزاب الدستورية. وتم تنقيح المجلة الانتخابية لضمان حضور المعارضة في مجلس النواب، وفي المجالس البلدية، وفي شتى المؤسسات وفضاءات الحوار والتشاور.

إن الممارسة الديمقراطية جهد دؤوب مشترك، يقوم به المواطن بالأساس، وتؤدي فيه كل الأحزاب دورا فاعلا، سواء كانت في الحكم أو في المعارضة.
ويبقى الانتخاب أرقى عمل سياسي يقوم به المواطن، مما يعطي للترسيم في القائمات الانتخابية قيمة خاصة ؛ فالانتخاب حق كما نص على ذلك الدستور، وهو أيضا واجب يؤدى بوعي ومسؤولية.

وقد كنا أذنا في الانتخابات السابقة بمراجعات استثنائية للقائمات الانتخابية، ونظمنا حملات إعلامية لتحسيس المواطن بضرورة الترسيم فيها وممارسة حقه الانتخابي، غير أن العديد من المواطنين والمواطنات الذين هم في سن الانتخاب لم يقوموا بواجب الترسيم في تلك القائمات.

لذلك أعلنا، بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول، عن عزمنا على المبادرة بمشروع تعديل للمجلة الانتخابية يسهل عملية الترسيم بالقائمات الانتخابية، فيقع التخلي عن نظام المراجعة السنوية لها، واعتماد نظام المراجعة الدائمة، مع تعليق تلك القائمات بصفة دورية للاطلاع عليها والتسجيل بها باستمرار.

وحرصا منا على تهيئة الأسباب الملائمة لإنجاح هذه العملية، نأذن اليوم بإعداد مشروع قانون يمهد لنظام المراجعة الدائمة للقائمات الانتخابية، ويمكّن المواطنين والمواطنات غير المرسمين بتلك القائمات من تسجيل أسمائهم بها،
خلال مدة تسعة أشهر من تاريخ صدور هذا القانون. وسيتم عرض هذا المشروع على مجلس النواب في بداية الدورة النيابية القادمة.

لذلك ندعو البلديات والعمادات للاستعداد من الآن لهذا الحدث. وسنتخذ الإجراءات التي تسهل على المواطن التسجيل بالقائمات الانتخابية، بإحداث مكاتب متنقلة لترسيم المواطنين، وتكثيف الإعلام خلال مدة المراجعة عبر الإذاعة والتلفزة ووسائل الإعلام الأخرى.

وإننا نعتبر كل الأحزاب السياسية أطرافا في الحملة، ومسؤولة على إنجاحها، بالنظر إلى الدور الذي أوكله لها الدستور في تأطير المواطنين لتنظيم مشاركتهم في الحياة السياسية، وحتى يقوم كل تونسي وتونسية بواجبه في الترسيم والانتخاب، باعتبار هذا الواجب أرقى سلوكيات المواطنة.


ونحن على يقين بأن جميع التونسيين والتونسيات، ومختلف الأحزاب السياسية، سيبرهنون عن وعيهم الوطني، ويسهمون في إعداد القائمات الانتخابية الجديدة بشكل واسع، بما يؤمن إرساء نظام مراجعة دائمة لكل الانتخابات المقبلة.

أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،

إننا سنشرع خلال هذه السنة في إنجاز مخطط جديد سيدعم جهود بلادنا التنموية في ترسيخ ثقافة التألق والامتياز واستحثاث نسق التقدم والرقي للاندماج في الاقتصاد العالمي وتأكيد حضورنا الفاعل بين الأمم.

وهو مخطط سينقلنا من مرحلة إصلاح أوضاع بلادنا وتأهيلها إلى مرحلة كسب رهان المنافسة الاقتصادية والثقافية والعلمية والمعرفية والحضارية، في ظروف عالمية دقيقة تشهد أعمق التحولات وأكبر التحديات.

وإذ نستكمل بهذا المخطط إنجاز برنامجنا المستقبلي، فإننا نسعى من خلاله إلى تحقيق النقلة النوعية المنشودة مع موفى العشرية الأولى من هذا القرن الجديد. لذلك فهو يكتسي أهمية كبرى باعتبار ما رسمناه له من توجهات وطموحات شاركت في ضبطها مختلف الأطراف المعنية، وخضعت لاستشارات وطنية وجهوية ومحلية واسعة، واتسمت برؤية استشرافية تراعي إمكانيات البلاد والمراحل التي يجب قطعها، لبلوغ أهدافنا الوطنية في التنمية الشاملة المتوازنة.
إنها توجهات وطموحات سنعمل جاهدين على تحقيقها رغم وعينا بالصعوبات القائمة، وإدراكنا للتحديات المطروحة علينا من جراء محدودية الإمكانيات، وكذلك بسبب تأثيرات العولمة الاقتصادية والإفرازات السلبية التي أعقبت أحداث سبتمبر الماضي. وهو ما يحمّلنا اليوم جميعا، أفرادا وهياكل ومؤسسات، مسؤولية إنجاح هذا المخطط وتوفير أسباب التعبئة اللازمة لتحقيق أهدافه.

وسعيا إلى خلق جيل جديد من المستثمرين لهم من الكفاءة والخبرة ما يسمح لهم ببعث مؤسسات، وخاصة في الأنشطة المجددة، نعلن اليوم قرارنا بإحداث نظام عطلة لبعث مؤسسة لفائدة الأعوان والإطارات العاملين في الإدارة والمؤسسات والمنشآت العمومية.

وتمنح هذه العطلة بدون أجر لبعث المؤسسة لمدة سنة، قابلة للتجديد مرة واحدة. ويواصل خلالها العون الانتفاع بالتغطية الاجتماعية مع دفع مساهماته بعنوان التقاعد والحيطة الاجتماعية ويتكفل المُُشغّل دفع المساهمة المحمولة عليه.

وإننا نعوّل في إنجاز هذا المخطط على قدراتنا الذاتية وعلى حسن التصرف في مواردنا، مراهنين على جميع فئات المجتمع، واثقين من استعدادهم للبذل والعطاء وتوظيف كل جهودهم ومعارفهم وإمكانياتهم التوظيف الأمثل، من أجل تذليل الصعوبات وكسب الرهانات والاستفادة من مجالات التعاون والشراكة مع الأشقاء والأصدقاء.

أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،

إن تونس مقبلة على مرحلة سياسية وتنموية بالغة الأهمية، ستبوئها المنزلة التي هي بها جديرة ضمن كوكبة الدول الصاعدة في مطلع هذا القرن الجديد. وليس لنا من سبيل سوى مزيد الكد والاجتهاد، وتكريس روح الوفاق والتضامن والتكامل بين كل الفئات والجهات والأجيال، للتقدم بثبات نحو درجات المناعة والازدهار التي رسمناها لشعبنا وبلادنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

المحتوى

مراجع قانونية

االتحاليل

الأخبار


أصداء صحفية

مواقع أخرى عن تونس