تونس مقبلة على تغيير نصف دستورها بما يكرس التعددية وما شهدته من تحولات


تونس ـ من خيرالله خيرالله: تكفي نظرة سريعة الى كتيب عنوانه "مشروع تنقيح دستور الجمهورية التونسية" للتأكد من عمق التحولات التي يبدو البلد مقبلاً عليها بعد الاستفتاء المقرر اجراؤه في 26 الشهر الجاري.
فالكتيب الصغير الذي يقع في 53 صفحة بالعربية يضم الفصول الـ 78 للدستور نصفها بالاسود والنصف الآخر بالأحمر, الأسود يشير الى ما بقي من الدستور، فيما يظهر الأحمر التعديلات المقترحة، وهي اقرب ما تكون الى عملية اصلاح واسعة.
اسئلة كثيرة تطرح في تونس حالياً، في مقدمها لماذا اجراء استفتاء على تعديل الدستور ما دام في الامكان القيام بذلك في مجلس النواب حيث للحزب الحاكم "التجمع الدستوري الديموقراطي" اكثرية اكثر من مريحة؟ الجواب في الاوساط الحزبية والشعبية يأتي على الشكل الآتي: لم يكن ممكنا قبل عام 1997 اللجوء الى الاستفتاء لتعديل الدستور نظراً الى ان الدستور لم يكن ينص على ذلك، لكن بعد ذلك التاريخ، وبما ان ذلك صار متاحاً، تحول الاستفتاء الى جزء من ديموقراطية المشاركة من منطلق ان ارادة الشعب فوق كل ارادة.

عملية اصلاح
يقول اساتذة في القانون تابعوا عن كثب التحولات التي تشهدها تونس منذ وصول الرئيس زين العابدين بن علي الى السلطة في 7 نوفمبر عام 1987، ان ما يجري حالياً ليس مجرد تعديل للدستور، بل ان ما يجري هو عملية اصلاح تحمل في طياتها فكراً سياسياً ومقاربة سياسية جديدة", ولكن ما الهدف من تعديل دستوري يشمل 39 فصلاً من اصل 78 يتضمنها الدستور "الهدف رسم توجهات المستقبل عبر اشراك الشعب في رسم خيارات هذا المستقبل وجعله صاحب القرار في ذلك, ولهذا السبب اختير الاستفتاء اولاً، علماً بأن رئيس الدولة لم يكن مجبراً على ذلك".
قبل ايام نشرت وسائل الإعلام التونسية مشروع تنقيح الدستور مع تفاصيل كثيرة تسمح للمواطن العادي بالاطلاع على كل شاردة وواردة في المشروع، والفارق بين الدستور الجديد المقترح وذلك المعمول به حالياً ولدى سؤال المعنيين عن الاسباب التي دفعت الى اجراء هذا الاصلاح الدستوري الجذري يأتي الجواب ان النظرية السياسية المعمول بها في تونس تقوم على تطوير التشريعات في موازاة التطور الذي يشهده المجتمع, والدستور من ضمن هذه التشريعات، بل هو سيد التشريعات, ان الدستور التونسي عدل 13 مرة منذ عام 1959 وكانت هذه التعديلات جزئية او ظرفية, الجديد في التعديل الجديد ويحمل الرقم 14 هو انه يجسد فلسفة تقول الـ 7 من نوفمبر 1987. لما جاء مشروع 7 نوفمبر، اصبح هناك خطاب سياسي جديد يقوم على احترام حقوق الإنسان وترسيخ دولة القانون والمؤسسات عن طريق دعم التعددية وتكريسها, كذلك حمل المشروع السياسي الجديد فكرة تعميم التضامن والتآزر والتسامح, فالدستور الحالي ليس فيه نص بهذا المعنى خصوصاً في شأن تأكيد حقوق المواطن والتعددية، لذلك جاء التعديل ـ الاصلاح ليكرس ذلك ويواكب في الوقت نفسه مشروع التحول, فالفصل الرقم 12 المعني بمنع الايقاف التحفظي الا بأذن قضائي، هو فصل جديد في مشروع الدستور المقترح, انه نص موجود في القانون التونسي منذ 1993، لكنه اصبح الآن في صلب الدستور, وهذا يعني انه صارت لهذا القانون حصانة دستورية, فلا يقع في رحلة لاحقة اي تراجع او مس بالمبادئ المرتبطة بحقوق المواطن, هذه نقطة اساسية مهمة توضح الدوافع وراء الاصلاح الدستوري".
ويشير المعنيون بما تشهده تونس حالياً الى نقطة مهمة ثانية في ما بات يعرف هنا بعملية الاصلاح الدستوري, تتمثل النقطة هذه بادخال "نقلة" الى النظام الرئاسي الجمهوري في تونس وذلك عبر تعزيز رقابة مجلس النواب على الحكومة, فقد جاء مشروع التعديل ليدعم الحوار البرلماني عن طريق التداول في شأن كل ما يتعلق بسياسة الحكومة ويمكن النواب من طرح الاسئلة التي يريدون, ذلك كله في اطار النظام الرئاسي, اضافة الى ذلك ثمة نقطة ثالثة لا تقل اهمية عن الثانية هي دعم التمثيل الشعبي والوطني باحداث غرفة ثانية، وهذا يدعم تمثيل المحافظات والقطاعات المهنية مع تمثيل الشخصيات الوطنية والكفاءات, وسيكون هناك انتخاب لثلثي اعضاء الغرفة الثانية فيما سيعين ثلث الاعضاء, وسيترافق ذلك مع تعزيز دور المجلس الدستوري عن طريق اسناد الرقابة على الانتخابات الرئاسية والتشريعية والاستفتاء الى هذا المجلس.

ترشيح الرئيس
لا يخفى على احد في تونس ان الاصلاح الدستوري يشمل السماح لرئيس الجمهورية ان يرشح نفسه مجدداً بعدما كان الدستور المعمول به حدد ذلك بمرتين, واستندت المعارضة، خصوصاً تلك التي في الخارج الى ذلك لتقول ان بن علي يريد ان يكون رئيساً مدى الحياة, لكن رجل الشارع في تونس يرى في ذلك مغالطة ومحاولة للافتراء على التجربة التي يشهدها البلد وذلك لسبب في غاية البساطة هو انه لو كان الرئيس التونسي يريد مجرد التمديد لكان كافياً حذف كلمة واحدة من الدستور هي كلمة "مرتين" الواردة في الفصل 39 (الفقرة الثالثة), ولو كان يريد ان يصبح رئيساً مدى الحياة لكان التعديل الدستوري نص على تعيين شخص بعينه رئيساً كما حصل في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ولكان حصل الغاء لانتخابات الرئاسة بدل اعادة تنظيم هذه الانتخابات بما يضمن الشفافية والرقابة الدستورية عليها عبر المجلس الدستوري مع تكريس للتعددية.
وفي هذا الاطار، كشف مصدر مطلع ان بن علي سيصدر قريباً قانوناً دستورياً خاصاً يضمن التعددية في الانتخابات الرئاسية المقررة في السنة 2004. ويشير هذا المصدر الى انه ستبقى هناك حدود لعدد المرات التي يمكن ان يترشح فيها شخص للرئاسة نظراً الى ان الدستور المنقح يحدد العمر الاقصى للمرشح بـ 75 عاماً.

في كل الاحوال سيتيح الاستفتاء لمن يرفض الدستور الجديد ان يقول كلمته, وبالفعل، هناك حزب معارض صغير دعا منذ الآن الى التصويت بلا، في حين ان اربعة احزاب معارضة اخرى ايدت الاصلاحات التي تتماشى مع دخول تونس مرحلة جديدة تقوم على فكرة التطور والمحافظة على قدرة التكيف مع ما يشهده العالم من تحولات كبيرة, فيما لم يكن طبيعياً هوان تبقى تونس اسيرة دستورها فيما مجتمعها يتطور، ولم يكن طبيعياً ان يكون هناك شعور شعبي بالحاجة الى اصلاحات دستورية تشمل بين الامور التي تشملها السماح للرئيس بأن يترشح اكثر من مرتين على غرار ما هو معمول به في فرنسا (دستور الجمهورية الخامسة), ففي النهاية يبقى الحكم للشعب الذي تظل ارادته فوق كلّ ارادة, وسيقول الشعب كلمته في 26 مايو الجاري, والواضح ان الكلمة ستكون نعم للاصلاحات الدستورية ونعم لتمكين الرئيس بن علي من ترشيح نفسه مرة اخرى ما دام ذلك يستجيب لما يريده الشعب وما تحتاجه تونس، الواحة الهادئة في منطقة لم تعرف منذ اواخر الثمانينات سوى العواصف ولغة العنف والتطرف.