الأمين العام للحزب الحاكم في تونس: الاستفتاء كان للإصلاح الشامل
وليس لتمديد ولاية الرئيس بن علي
علي الشاوش قال لـ«الشرق الأوسط» إن بلاده مقبلة على مرحلة جديدة
ودينامية جديدة في الحياة السياسية
الدار البيضاء: منصف السليمي
أثار
الاستفتاء الذي جرى في تونس الشهر الماضي وكانت نتائجه بنسبة 99
في المائة لصالح التعديلات الدستورية، ردود فعل متباينة داخل البلاد
وخارجها. ففي الوقت الذي جادل فيه المؤيدون بأن الاستفتاء هو واحد
من أرقى أشكال الممارسة الديمقراطية، وأنه، في حالة تونس، تطرق إلى
مساحات كثيرة، مثل تشكيل غرفة ثانية في البرلمان، وتعديل قرابة نصف
بنود الدستور السابق، فإن المعارضين يؤكدون بأن الخطوة لم تكن سوى
محاولة لتقنين التمديد لحكم الرئيس زين العابدين بن علي، منتقدين
غياب الآراء المعارضة في الصحافة المحلية. «الشرق الأوسط» التقت
مع علي الشاوش الأمين العام لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب
الحاكم) وأجرت معه هذا الحوار الذي تطرق لما أثاره الاستفتاء من
جدل ولمستقبل البلاد في ضوء المستجدات الاخيرة.
* ما هي أجندة الاستحقاقات المقبلة في تونس بعد تنظيم الاستفتاء
على تعديل الدستور؟
ـ لقد كان الاستفتاء على تعديل الدستور حدثا تاريخيا، لاعتبارين
أساسيين أولهما أنه للمرة الأولى ينظم فيها استفتاء شعبي دستوري
في البلاد يدعى فيه الشعب ليقول كلمته الفصل مباشرة، ويعتبر من أرقى
أشكال الممارسة الديمقراطية أن يتوجه رئيس الجمهورية مباشرة للشعب
ويعرض عليه إصلاحاً دستوريا جوهريا. والاعتبار الثاني هو أن الاصلاح
الدستوري الذي استفتي حوله الشعب التونسي هو إصلاح حول نصف بنود
الدستور، وجملة من الاصلاحات المهمة في الحياة السياسية التونسية،
ولهذه الاعتبارات ننظر في تونس للإصلاح الدستوري الذي صادق عليه
الشعب التونسي يوم 26 مايو (أيار) الماضي بشبه إجماع، انه يؤسس لطور
جديد في الحياة السياسية والعامة بالبلاد، باتجاه ما سماه الرئيس
زين العابدين بن علي بجمهورية الغد. ويمكننا القول ان الاصلاح الدستوري
الجديد يمهد لمرحلة جديدة ويضفي ديناميكية جديدة على الحياة السياسية
في البلاد.
* كيف تفسرون عدم توفق حزب التجمع الدستوري في تحقيق إجماع بين
كافة الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، والتي عارض بعضها التعديلات
الدستورية، بخلاف ما كان عليه الحال في أوضاع انتخابية سابقة؟
ـ لقد سبق أن قدم رئيس الدولة مشروع التعديلات الدستورية على مجلس
النواب، وذلك طبقا لمقتضيات الدستور، وصادق البرلمان في قراءة وحيدة،
وجرت مناقشته طيلة شهر في إطار اللجنة الدستورية، بمشاركة كافة أحزاب
المعارضة الممثلة في البرلمان، ووجه النواب للحكومة ما لا يقل عن
750 سؤالاً حول مشروع التعديلات الدستورية، وضمنها 180 سؤالاً وجهتها
احزاب المعارضة. وقد استجابت الحكومة لـ39 اقتراحا من أصل 40 اقتراحاً.
ويمكننا القول إن حوارا شاملا ومعمقا قد جرى حول الاصلاح الدستوري،
في إطار البرلمان الذي يعد الاطار الطبيعي والدستوري لمناقشة مثل
هذه القضايا. وقد كانت مصادقة مجلس النواب في ظل تحفظ ستة نواب فقط،
خمسة منهم ينتمون لحزب التجديد (الشيوعي) ونائب حزبي آخر. ودون معارضة
أي نائب، وهو أمر هام يؤشر لدرجة الاجماع حول الاصلاح.
وقد قام حزب التجمع الدستوري بحملة واسعة إعلاميا وشعبيا، لتفسير
الاصلاحات التي ساندتها أربعة أحزاب ودعت للتصويت بنعم عليها. وهنالك
حزبان معارضان فقط واحد منهما برلماني والآخر غير ممثل في البرلمان،
لم يساندوا الاصلاحات. وإذا أضفنا مساندة هيئات المجتمع المدني والمنظمات
الوطنية من مركزيات نقابية وهيئات رجال الأعمال والهيئات النسائية،
يمكننا القول بموضوعية إن أغلبية كبيرة جدا ساندت الاصلاح الدستوري.
* ما هو ردكم على حملة الانتقادات التي وجهتها هيئات حقوقية وأحزاب
سياسية معارضة وضمنها أحزاب غير مرخصة قانونيا، انتقادات لظروف تنظيم
الاستفتاء ومضمون التعديلات الدستورية واعتبرت أن الهدف منها إدامة
ولاية الرئيس بن علي؟
ـ في كل نظام ديمقراطي تعددي تبقى الكلمة الأخيرة للناخبين والناخبات،
الذين قالوا كلمتهم في إطار من الشفافية المطلقة والبلد مفتوح، وقد
واكب الاستفتاء مراقبون ووسائل الاعلام من مختلف أنحاء العالم. ومن
المقبول والطبيعي أن يعارض البعض ما جاء في الاستفتاء، وهم أحرار
في التعبير عن قناعاتهم. أما ما يتعلق بمضمون التعديلات، وما إذا
كانت منصبة على مسألة تجديد ولاية الرئيس فقط، فلو كان الأمر كذلك
لتطلب فقط تغيير سطرين من الفصل 39 من الدستور، لكن الموضوع أشمل
بكثير والاصلاح جوهري وقد جاء بهدف تدعيم مكانة حقوق الانسان بمفهومها
الشامل وكونيتها وتكاملها كحقوق اقتصادية واجتماعية ومدنية وسياسية،
وإدماج مفاهيم جديدة للمرة الأولى في الدستور مثل مفهوم التضامن.
كما أكد الاصلاح الدستوري الضمانات القضائية للحريات، وضمنها معطيات
الحياة الشخصية للإنسان اضافة لعدد من التعديلات التي تهدف لاضفاء
مزيد من التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتحقيق ضمانات
دستورية جديدة لدولة الحق والقانون.
* كيف يمنح الاصلاح الدستوري الجديد تلك الضمانات وفرص مراقبة
عمل السلطة التنفيذية التي تستأثر بالصلاحيات؟
ـ لقد منح التعديل الدستوري الجديد مجلس النواب صلاحيات جديدة لمراقبة
عمل الحكومة من خلال الأسئلة الشفوية وتقييم عمل الحكومة ومراقبته،
كما منح الدستور المعدل للنواب صلاحيات توجيه لائحة اللوم وسحب الثقة
من الحكومة وفق إجراءات أيسر، ويتعلق الأمر باشتراط نصاب ثلث النواب
فقط، لتقديم لائحة لوم للحكومة وأن يكون التصويت عليها بأغلبية بسيطة
كي تجبر الحكومة على الاستقالة، وهو أمر جديد سيضفي توازنا بين السلطتين
التشريعية والتنفيذية. وتم اعتماد نظام الغرفتين في البرلمان، وسيكون
لمجلس المستشارين (الغرفة الثانية) دور تدعيم مشاركة المجتمع المدني
والمنظمات الوطنية النقابية والمهنية وهيئات رجال الأعمال، من خلال
ثلث أعضاء المجلس، والمناطق التي يتنامى دورها، وستكون مشاركتها
في صنع القرار والقوانين والسياسات العامة للبلاد، عبر ممثليها في
مجلس المستشارين بنسبة الثلث من أعضائه فيما يتولى رئيس الدولة تعيين
الثلث المتبقي، من فئات مثقفين وكفاءات ونخب وفنانين، وبذلك لن تكون
تركيبة مجلس المستشارين على أساس حزبي بل على أساس تمثيل المناطق
وفئات المجتمع المدني الذي يتنامى دوره في الديمقراطيات الحديثة.
كما يعتبر إقرار العمل بالمجلس الدستوري الذي قرر الرئيس بن علي
تشكيله سنة 1987 بأمر رئاسي وتطور في مرحلة لاحقة ليصبح قانونا ثم
أصبح أخيرا دستوريا ولقرارته طابع ملزم، ومن خصوصيات المجلس الدستوري
التونسي أن مراقبته لدستورية القوانين تتم قبل المصادقة عليها، والجديد
في الاصلاح الدستوري أنه وسع صلاحيات المجلس الدستوري ليصبح قاضيا
للفصل في نزاهة وصلاحية الانتخابات الرئاسية والتشريعية وعند تنظيم
الاستفتاء. كما تم تدعيم استقلالية وحياد المجلس من خلال مشاركة
مجلس النواب والجهاز القضائي في تعيين أعضائه التسعة، إضافة لتعيين
رئيس الدولة أربعة منهم بعد أن كان يعين كافة أعضائه. وإذا أضفنا
الاصلاحات التي تمت في مستوى تنظيم الانتخابات الرئاسية مستقبلا
في دورتين، يبدو واضحا أن الرد على المشككين في الاستفتاء يكمن في
إبراز الطابع الشامل للإصلاحات وكونه يؤسس لمنظومة دستورية وقانونية
وسياسية متطورة، وسيعطي من دون شك حركية وديناميكية جديدة للحياة
السياسية في تونس.
* أشرتم أكثر من مرة لديناميكية جديدة في الحياة السياسية التونسية
بعد الاستفتاء الأخير، فهل ينتظر مثلا أن يكون للمعارضة دور أكبر
في المشهد المؤسساتي والبرلماني، بعد عقود من هيمنة حزب التجمع الدستوري
الديمقراطي عليها؟
ـ لكل بلد خصوصياته، وفي بلادنا يتميز حزب التجمع الدستوري الديمقراطي
له شرعية تاريخية ووجود قديم والتصاق بواقع الشعب وحضوره مكثف في
مختلف مناطق البلاد، كما قام الرئيس بن علي بعد تغيير السابع من
نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، بإدخال نفس جديد عليه من خلال انفتاحه
على طاقات جديدة، وهذا ما يفسر حضوره الكبير في الساحة السياسية
الوطنية.
* وهل يتعارض حضور حزب معين بقوة في الساحة السياسية، مع دور
فاعل وقوي أيضا لأحزاب المعارضة؟
ـ أود التذكير بأن الرئيس بن علي أقدم على عدة مبادرات، وضمنها سن
تغييرات في القوانين الانتخابية وقانون الأحزاب، بما فسح المجال
لوجود تعددي للأحزاب في البرلمان، ودور مهم لأحزاب المعارضة، وهنالك
نقاش وحوار حر في مجلس النواب، ويمكن التأكد منها مباشرة من خلال
مداولات البرلمان المدونة بأية حال في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية).
إلى جانب حضور المعارضة في أربعين مجلسا بلديا، وفي تونس العاصمة
مثلا تشكل أحزاب المعارضة نسبة 20 في المائة من أعضاء مجالس بلديات
العاصمة، وهو وجود لا يمكن القول بأنه رمزي. واعتمدت في الآونة الأخيرة
قوانين تفسح المجال لدور المعارضة في مجالس الجهات (المناطق)، كما
تشارك مختلف الحساسيات السياسية والمجتمع المدني في المجلس الاقتصادي
والاجتماعي الذي يساهم مساهمة قيمة في رسم السياسات العامة ووضع
القوانين ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هنالك في تونس تعددية سياسية وتعددية الرأي، والأكيد أن الاصلاحات
الجديدة ستعطي حيوية أكبر لهذا النهج، وبطبيعة الحال لا بد أن يتم
في المرحلة المقبلة سن عدد من القوانين وتغيير القوانين الانتخابية
واعتماد النظام الأساسي لمجلس المستشارين، وستشكل الترتيبات القانونية
المصاحبة للتعديل الدستوري، الاطار الذي تنطلق فيه مرحلة سياسية
جديدة في تونس.
* متى سيتم تشكيل مجلس المستشارين؟
ـ لا يمكنني تأكيد الموعد بدقة، لكن سيكون ذلك بعد عرضه على مجلس
الوزراء الذي تسبقه بدوره مراحل إعداد القوانين المنظمة للمجلس،
ثم عرضها على مجلس النواب للمصادقة عليها. وستأتي هذه الخطوات وفق
أجندة معقولة، كي يكتمل الاطار المؤسساتي والسياسي الجديد في البلاد.
* أشرتم إلى نقاشات وآراء متعددة داخل البرلمان التونسي، لكن المراقبين
يرصدون أن أداء الصحافة التونسية لا يقدم صورة عن هذه التعددية،
كما لا يقدم صورة عن أجواء وفعاليات الهيئات الحقوقية وأحزاب المعارضة،
فكيف تفسرون هذا الوضع الذي انتقده الرئيس بن علي نفسه؟
ـ ربما يكون رأيي مخالفا للعديدين، وأعتقد أن الاعلام بصفة عامة
ما يزال بحاجة إلى تحسين وتدعيم، وقد قطع خلال العام الماضي خطوة
لا بأس بها نحو الأمام، وهنالك حضور لصحافة الأحزاب، ولا شك أن صدورها
غير منتظم ولكن بعضها منتظم الصدور، هنالك دور بارز لصحافة المركزيات
النقابية وعدد من الصحف المستقلة التي تقدم آراء متعددة وحوارات،
وتنشر آراء ليست بالضرورة مساندة للحكومة. وفي التلفزيون والاذاعة
التونسيين برامج حوارية متعددة وتطرح فيها قضايا مختلفة، وهنالك
قضايا اجتماعية تطرح في التلفزيون التونسي ولا نجد لها مثيلا في
كثير من القنوات التلفزيونية العربية، لأنه ينبغي التنبه إلى مختلف
الأبعاد الثقافية والاجتماعية ولا ينبغي اختزال دور الاعلام في القضايا
السياسية. وبرأيي فإن المشهد الاعلامي بتونس في تحسن وهو قابل للتحسن
أكثر بل من الضروري أن يتطور لما هو أفضل، سيما أنه يحظى بتشجيع
ودعم من رئيس الدولة نفسه. وأعتقد أن أداء الاعلام التونسي سيرتفع
شيئا فشيئا، وأنا مع من يقول إن هنالك تحسنا وإن المستقبل سيكون
أفضل.